طائرات مسيّرة يتحكم بها عبر كابل من الألياف الضوئية ينقل البيانات والأوامر وإشارات الفيديو الفائقة الدقة بشكل مباشر بين المسيّرة والمشغّل، عبر نبضات ضوئية عالية السرعة، بدلا من الإشارات اللاسلكية المستخدمة في المسيّرات التقليدية. ورغم صغر حجمها وانخفاض كلفتها، فإنها قادرة على إرباك أنظمة الدفاع المتقدمة وإلحاق خسائر كبيرة بالخصوم، بفضل قدرتها على تنفيذ ضربات أحادية الاتجاه أو مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، مع الحفاظ على اتصالات آمنة في البيئات الشديدة التشويش، فضلا عن صعوبة رصدها أو تعطيلها عبر وسائل الحرب الإلكترونية التقليدية. سُجّل أول ظهور ميداني موثق لهذه المسيّرات عام 2024 خلال الحرب الروسية الأوكرانية، قبل أن تتحول سريعا، مع تصاعد القتال، من تقنية محدودة الاستخدام إلى أداة محورية في مهام الاستطلاع والهجوم.
ظهرت فكرة استخدام الألياف الضوئية كوسيط للاتصال في النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين، عندما أثبتت تجارب علمية أن الألياف الزجاجية تمثل موجها ضوئيا عمليا يمكن استخدامه لأغراض الاتصالات. وخلال السبعينيات أكدت تجارب واسعة النطاق أن أنظمة الألياف الضوئية البعيدة المدى تتمتع بكفاءة وموثوقية عالية في مجال الاتصالات، مما شجع البحرية الأمريكية على اعتمادها على السفن العسكرية للحد من تأثيرات التشويش الإلكتروني. لاحقا، طُبّق المبدأ نفسه في بعض الأنظمة الصاروخية المضادة للدبابات، إذ شهدت الولايات المتحدة وأوروبا خلال التسعينيات تطوير برامج لصواريخ تنقل الصور وأوامر التوجيه عبر كابل من الألياف الضوئية المقاومة للتشويش، مثل مشروع بوليفيم (Polyphem) الذي طورته ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وعائلة صواريخ سبايك (Spike) التي تنتجها شركة رافائيل الإسرائيلية.
وفي مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية (DARPA) العمل على مشروع يهدف إلى تطوير مسيّرات تعتمد على هذه التقنية. ورغم أن المشروع لم يحظ باهتمام كافٍ في ذلك الوقت، فإن تلك الجهود وضعت الأساس لظهور فئة جديدة من المسيّرات تعمل بالألياف الضوئية بدلا من الإشارات اللاسلكية. تُزوَّد الطائرات المسيّرة ببكرة ألياف ضوئية رفيعة للغاية وخفيفة الوزن وعالية المتانة، تُثبَّت على هيكل الطائرة.
وأثناء التحليق، ينفلت الكابل تدريجيا من البكرة بسرعة عالية، مع الحفاظ على اتصال مستمر بوحدة التحكم الأرضية. ينقل الكابل أوامر التحكم وبيانات الاستشعار والملاحة، إضافة إلى إشارات الفيديو العالية الدقة بين الطائرة والمشغّل، عبر نبضات ضوئية داخل نواة الألياف وطبقاتها العازلة، مما يتيح نقلا عالي النطاق الترددي ومنخفض الفقد، ويمنح المشغّل قدرة على رؤية الهدف والبيئة المحيطة في الوقت الفعلي، والتحكم بالطائرة بدقة دون الاعتماد على الاتصالات اللاسلكية. وقد أدت التحسينات التقنية على هذه المسيّرات إلى تمايز نوعين من الأنظمة: تُستخدم طائرات الألياف الضوئية المسيّرة في تنفيذ مجموعة من المهام والوظائف، أبرزها: تتمتع مسيّرات الألياف الضوئية بمجموعة من الخصائص التقنية التي تمنحها أداء متقدما في بيئات التشغيل المعقدة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية: توفّر هذه المسيّرات مجموعة من المزايا العملياتية والاستراتيجية التي تعزز فعاليتها في ساحات القتال الحديثة، أبرزها: ورغم أن هذه المسيّرات مزودة بأنظمة فرعية إلكترونية، مثل وحدات التحكم في الطيران أو أنظمة التحكم الإلكتروني في الثبات، والتي تُصدر انبعاثات كهرومغناطيسية أثناء التشغيل، فإن هذه الإشارات ضعيفة للغاية ويصعب رصدها.
تُواجه مسيّرات الألياف الضوئية مجموعة من القيود التشغيلية والتقنية التي تحدّ من فعاليتها أحيانا، ويمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية: سُجّل أول ظهور ميداني لمسيّرات الألياف الضوئية (Fiber-Optic Drones) عام 2024، حين عثر الجيش الأوكراني في مارس/آذار على نماذج روسية تستخدم كابل ألياف ضوئية في مناطق القتال على الجبهة الأوكرانية، وفقا لموقع ميليتارني (Militarnyi) الأوكراني المتخصص بالشؤون العسكرية والتقنيات الدفاعية. وأشارت منصة ديفنس إكسبرس (Defense Express) المتخصصة في التحليلات العسكرية والأمنية، إلى أن استخدام هذه التقنية في المسيّرات لم يكن شائعا خارج النماذج الروسية في تلك المرحلة، غير أن أوكرانيا سرعان ما تبنّتها وبدأت في تطويرها ضمن منظومتها العسكرية. وخلال فترة وجيزة من ظهورها، شهدت هذه المسيّرات تطورا متسارعا بفعل المنافسة المحمومة بين الطرفين الروسي والأوكراني، كما توسّع استخدامها على نطاق واسع في العمليات القتالية، لتؤدي دورا محوريا في مهام الاستطلاع والهجوم.
ويُعزى هذا التطور السريع إلى التقدم الكبير في تقنيات الحرب الإلكترونية الذي كشف عن نقاط ضعف جوهرية في أنظمة الاتصال التقليدية للمسيّرات، ولا سيما تلك التي تعتمد على وصلات الترددات الراديوية، إذ تبقى عرضة للتشويش والاعتراض والتداخل الكهرومغناطيسي وتزييف البيانات. وقد أدت هذه الثغرات إلى تقويض فعالية الطائرات المسيّرة التقليدية وتهديد نجاح المهام، مما دفع بقوة نحو تبنّي أنظمة الاتصال والتوجيه عبر الألياف الضوئية كبديل أكثر مقاومة للحرب الإلكترونية. شجع نجاح التجربتين الروسية والأوكرانية جهات ودولا أخرى على تطوير نماذج من الطائرات المسيّرة العاملة بالألياف الضوئية.
ووفق ما ذكرته إذاعة الجيش الإسرائيلي، فقد طوّر حزب الله اللبناني مسيّرات تعمل بهذه التقنية منذ عام 2024. وخلال عام 2026، بدأ تشغيل هذه المسيّرات ميدانيا بصورة ملحوظة، حيث استهدفت مواقع وآليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان وبعض المستوطنات الحدودية، مما شكل تحديا للجيش الإسرائيلي، وكشف عن صعوبة رصدها أو اعتراضها من قبل منظوماته الدفاعية، بحسب تقرير نشرته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" في 5 مايو/أيار من العام نفسه. وأشار التقرير إلى أن حزب الله يصنّع هذا النوع من المسيّرات محليا باستخدام مكونات متوفرة في الأسواق التجارية، بكلفة تتراوح بين 300 و600 دولار، وقد تصل إلى نحو 4000 دولار عند تزويدها برؤوس حربية متطورة.
كما أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" في تقرير نشرته بتاريخ 26 مارس/آذار 2026، بأن الحرس الثوري الإيراني يمتلك أيضا طائرات مسيّرة مزودة بهذه التقنية. وكشفت شركة إندر آرج التركية المتخصصة في تقنيات الذخائر المتسكعة ومكافحة المسيّرات، في يوليو/تموز 2025 عن نظام ذخيرة متسكع متصل بكابلات ألياف ضوئية، ومزودة بأجنحة قابلة للطيّ، مصممة للاستخدام في العمليات البرية والبحرية على حد سواء. كما طورت مشاة البحرية الأمريكية، بالتعاون مع وحدة الابتكار الدفاعي، مسيّرات تعمل بهذه التقنية لتفادي التشويش في البيئات البحرية.
وفي مطلع عام 2026، خضعت هذه المسيّرات لاختبارات ميدانية في قاعدة كامب بندلتون بولاية كاليفورنيا.

AJ+ Français