مجزرة حدثت في سجن تدمر الصحراوي، ارتكبها نظام الرئيس السوري حافظ الأسد، انتقاما لتعرّضه لمحاولة اغتيال، ونفذتها قوات سرايا الدفاع بقيادة شقيقه رفعت الأسد. وقعت المجزرة يوم الجمعة 27 يونيو/حزيران 1980، بعد أن اقتحم نحو مئة عنصر من قوات سرايا الدفاع مهاجع السجن، وأمطروا المساجين العزّل بوابل من الرصاص والقنابل، ليسقط المساجين قتلى قبل أن تتولى إدارة السجن الإجهاز على من لم يمت منهم. راح ضحية هذه المجزرة ما بين 800 و1200 قتيل، باختلاف التقديرات، معظمهم من الإسلاميين وأفراد جماعة الإخوان المسلمين، ودفنوا في مقابر جماعية في واد صحراوي قريب من السجن.
وتكشفت خيوط هذه الجريمة عندما حقق الأردن مع عسكريين اثنين من المشاركين فيها، كانا ضمن مجموعة اعتقلت بتهمة التخطيط لاغتيال رئيس وزراء الأردن حينها. في 26 يونيو/حزيران 1980، وحين كان يودع نظيره النيجيري سيني كونتشي، تعرّض الرئيس السوري حافظ الأسد لمحاولة اغتيال عند باب قصر الضيافة في حي أبو رمانة بالعاصمة دمشق. فقد رمى عليه مسلحون قنبلتين يدويتين ثم أتبعوهما بوابل من الطلقات النارية، لكن الأسد ركل القنبلة الأولى بعيدا عنه، وألقى حارسه الشخصي خالد الحسين بنفسه على القنبلة الثانية فانفجرت فيه وقتل، لينجو الأسد مصابا بجروح طفيفة.
اتهمت السلطات السورية جماعة الإخوان المسلمين بالتخطيط لمحاولة الاغتيال وتنفيذها، وثار في أوساط قيادة حزب البعث وأركان السلطة غضب عارم ودعوات متزايدة للثأر والانتقام، وفي اليوم نفسه صدرت الأوامر بتصفية المعتقلين في سجن تدمر الصحراوي الذين كان أكثرهم من الإخوان المسلمين. كانت محاولة الاغتيال هذه هي الدافع الأساسي لارتكاب ما عرف لاحقا باسم "مجزرة تدمر"، وهو ما أكّده بنفسه المتهم الأول بارتكابها رفعت الأسد، قائد القوات التي ارتكبت المجزرة، وشقيق الرئيس حافظ الأسد، إذ قال في مقابلة تلفزيونية: "حادثة تدمر جاءت في أعقاب اغتيال الإخوان المسلمين للرئيس السوري حافظ الأسد.. الإخوان المسلمون اغتالوه وضربوه بالقنابل"؛ واصفا الإصابة أو المحاولة بأنها "اغتيال" محقق.
سجن تدمر الصحراوي هو في الأصل سجن عسكري قديم يقع في صحراء حمص على بعد 200 كيلومتر من دمشق، بناه الفرنسيون في ثلاثينيات القرن العشرين ليكون إسطبلا للخيول، ثم تحوّل لاحقا إلى سجن عسكري، قبل أن يحبس فيه المعتقلون السياسيون ومعتقلو الرأي منذ 1966، وتشهد جدرانه على تعرّضهم لشتى أنواع التعذيب والانتهاك. وفي اليوم الذي جرت فيه محاولة اغتيال حافظ الأسد، صدرت الأوامر بتصفية المعتقلين في سجن تدمر ثأرا وانتقاما، وأوكلت المهمة إلى سرايا الدفاع التي كان يقودها رفعت الأسد، وكلف صهره الرائد معين ناصيف بالعملية، وبدأ تنفيذها في اليوم التالي، يوم الجمعة 27 يونيو/حزيران 1980. توجّه ناصيف مع 100 من عناصر سرايا الدفاع على متن 12 مروحية إلى سجن تدمر، وحين وصلوه دخل منهم نحو 80 عنصرا الزنازين، وبدؤوا يطلقون النار على المعتقلين ويصفّونهم واحدا تلو الآخر.
يروي خالد العقلة، وهو أحد الناجين من مجزرة سجن تدمر، تفاصيل ما حدث في ذلك اليوم، فيقول: "اعتدنا أن يكون وقت التفقد وتبديل السجانين في الساعة الثانية ظهرا كل يوم، لكن في يوم الجمعة 27 يونيو/حزيران 1980 قاموا بعملية التفقد في الثامنة صباحا، وطلبوا أسماء المعتقلين القدامى في السجن". وقبل التاسعة، سمع المساجين حركة غير مسبوقة في السجن، وأصوات عدد كبير من الأحذية العسكرية تتحرك وتقف حول الزنازين وتجهز أسلحتها، وهو أمر لم يكن معتادا. في تمام الساعة التاسعة صباحا، سمع السجناء انفجار قنبلة يدوية، تبعها صوت إطلاق رصاص متواصل استمر نحو 40 دقيقة أو يزيد قليلا وفق وصف خالد العقلة، ثم استمرت أصوات إطلاق رصاص متقطعة حتى الساعة 12 ظهرا، وترافق ذلك مع قطع الكهرباء والماء عن جميع المهاجع.
يؤكد خالد أن إطلاق النار على المهاجع كان في وقت متزامن، وأن إطلاق القنبلة بداية الأمر كان الإشارة للبدء بالقتل، وأن مهجعهم رقم 17 الذي كان فيه 26 معتقلا، هو المهجع الوحيد الذي لم تدخله سرايا الدفاع، ولم يمت أحد منه، ولم يكن لديهم علم أنهم الوحيدون الذين بقوا أحياء من معتقلي السجن. عند 12 ظهرا توقف إطلاق النار تماما، وبعد 10 دقائق حلّقت ثماني مروحيات مغادرة المكان. يصف العقلة المشهد بعدها قائلا إن الدم تجمّع في بركة صغيرة وسط ساحة السجن، وهو ما استطاعوا مشاهدته من شق صغير في الباب، ويؤكد أن من ارتكب المجزرة هم جنود سرايا الدفاع.
ويتابع: "بعد غياب الشمس بعشر دقائق أحضروا مجموعة من العساكر المعاقبين، وكانوا نحو 100 عسكري من سجن آخر، وأضاؤوا ضوءا واحدا في الباحة، وبدأ العساكر بنقل الجثث من المهاجع إلى الباحة، وهناك جلس أحد الضباط وبيده قضيب حديدي طويل، وكانت توضع الجثث أمامه ويغرزه فيها ليتأكد من موتها، ثم تنقل الجثة إلى السيارة العسكرية". ويؤكد العقلة أنهم رؤوا "هذه المشاهد من النافذة المطلة على الساحة، لأن المهجع معتم والإضاءة في الخارج. فكانوا يستطيعون رؤية ما حدث".
ووفق شهادته، فقد استمر نقل الجثث بثلاث سيارات عسكرية طوال الليل، تحرك آخرها بعد طلوع شمس اليوم التالي، وخلال هذه العملية وجد العساكر بين الجثث نحو 10 جرحى، فقتلوهم جميعا صباح اليوم التالي للمجزرة رميا بالرصاص. تصف منظمة هيومن رايتس ووش مجزرة تدمر قائلة إن "وحدات من كوماندوز سرايا الدفاع التي يقودها رفعت الأسد قتلت نحو ألف سجن أعزل، غالبيتهم من الإسلاميين، انتقاما من محاولة اغتيال فاشلة للرئيس السوري". وقد أكد العناصر الذين شاركوا في المجزرة وأدلوا بشهاداتهم لاحقا أن مدة تنفيذ المجزرة كان نصف ساعة، وأنهم أمروا بتصفية كل من في المهاجع بإطلاق النار والقنابل اليدوية.
أكد بعض المعتقلين الناجين السابقين أن جثث من قتلوا في المجزرة دفنت في منطقة تدعى "وادي عويضة"، وهو مكان يبعد عن سجن تدمر عدة كيلومترات، وقد اعتاد السجانون دفن جثث من يقتل في سجن تدمر في هذا الوادي. وفي عام 2001، صدر تقرير من منظمة العفو الدولية أكدت فيه أن جثث المعتقلين دُفنت في مقابر جماعية كبيرة خارج السجن. يروي خالد العقلة ما حدث في اليوم التالي قائلا إنهم "أحضروا أناسا لتنظيف السجن والمهاجع، وآخرين لإصلاح الثقوب والشقوق التي تسبب بها إطلاق النار يوم المجزرة".
وبقي المهجع الذي نجا من الموت من دون طعام أو ماء ليومين، وفي اليوم الثالث أحضر لهم الطعام والماء، لكن لم يستطع أحد منهم الأكل لهول ما شاهدوه وعاشوه. ويؤكد العقلة أنه بعد إصلاح السجن بدأت تصل إليه دفعات جديدة من المعتقلين ليلا ونهارا على نحو متواصل، وأن كل من أتوا بعدها إلى السجن هم من الإخوان المسلمين. لا توجد إحصائية دقيقة بأعداد القتلى والضحايا، ولم يعلن عن أسمائهم، إلا أن تقريرا صدر عن منظمة هيومن رايتس ووتش يشير إلى أن أعداد القتلى يُقدّر بألف معتقل أعزل، غالبيتهم من الإسلاميين.
في حين أشار الباحث الفرنسي ميشال سورا في كتابه "الدولة الهمجية" إلى أن تحليلا أجرته الأجهزة الأمنية السورية بيّن أن عدد القتلى وصل إلى 1181 ضحية. وأشارت عدة تقارير دولية إلى أن العدد يزيد على ألف معتقل، في حين أكدت مصادر حقوقية أن العدد يصل إلى حوالي 1200 قتيل. أما العقلة وبعض زملائه الذين شهدوا على المجزرة، فإن تقديراتهم تقول إن سرايا الدفاع قتلت يومها ما بين ألف و1500 معتقل.
أما من نفذوا المجزرة فقد قتل منهم عنصر واحد؛ إذ استطاع أحد المعتقلين مهاجمته وسحب بندقيته وأطلق النار عليه قبل أن يقتله بقية العناصر، وفق شهادة العسكري الذي اعتقلته السلطات الأردنية بعد عام من المجزرة. وعلى الرغم من التكتم الشديد الذي أحاطت به السلطات السورية المجزرة، وطرق التخلص من الضحايا، فإن الخبر تسرّب دوليا بعد عام واحد، إثر اعتقال المملكة الأردنية الهاشمية عسكريَين سوريَين كانا ضمن مجموعة اتهمت بالتخطيط لاغتيال رئيس وزراء الأردن حينها. وأثناء التحقيق معهما، تحدثا عن مشاركتهما في مجزرة سجن تدمر.
فطالبت حينها منظمة العفو الدولية السلطات السورية بإجراء تحقيق في المجزرة وتفاصيلها ومنفذيها، لكن الحكومة السورية لم تستجب للمطالبات. وقد نشرت بعض المواقع الحقوقية السورية شهادات عناصر شاركوا في المجزرة، تحدثوا فيها عن المهمة التي كُلفوا بها، وقدّر بعضهم أعداد القتلى بخمسمئة قتيل. في حين قالت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إن المجزرة "تتعدى حدود جرائم القتل العمد المعاقب عليها بموجب القانون السوري"، وحمّلت المسؤولية الجنائية لكل من أمر بالمجزرة وساهم فيها ونفذها.
وقد طالبت اللجنة السورية لحقوق الإنسان الحكومة السورية بالإعلان عن أسماء الضحايا ومكان دفن الجثث، وأسماء المكلفين بتنفيذ المجزرة ومحاسبتهم قضائيا؛ لكن سلطات نظام الأسد لم تستجب لأي من هذه المطالبات.

AJ+ Français
الجزيرة نت - يوتيوب
معهد الجزيرة للإعلام
Al Jazeera Mubasher (مصر) قناة الجزيرة مباشر