محمود خضر عابد عدرا، المعروف باسمه الحركي هشام حرب، عقيد فلسطيني متقاعد، تتهمه باريس بالضلوع في تنفيذ هجوم مسلح عام 1982 استهدف مطعما في الحي اليهودي وسط العاصمة الفرنسية، وأسفر عن مقتل 6 أشخاص وإصابة 22 آخرين. في المقابل، تنفي عائلته هذه الاتهامات بشكل قاطع، مؤكدةً أنه لم يكن موجودا في فرنسا وقت تنفيذ الهجوم، وتشدد على عدم صلته بالحادثة. وكان محمود خضر ينتمي حينئذ لمنظمة فتح-المجلس الثوري، وهو تنظيم منشق عن حركة فتح الفلسطينية أسسه صبري البنا -المعروف باسم أبو نضال– عام 1974، ثم تخلى محمود عن العمل المسلح، وعاد إلى قطاع غزة مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عقب تسوية وضعه، وانضم إلى جهاز المخابرات العامة الفلسطينية، واستقر في رام الله إلى أن تقاعد برتبة عقيد.

أصدرت السلطات الفرنسية مذكرة دولية لاعتقاله عام 2015، وبعد عشر سنوات، اعتقلته الشرطة الفلسطينية في تطور رحبت به باريس، وجاء قبل أيام من اعترافها بدولة فلسطين في 22 سبتمبر/أيلول 2025. وفي 16 أبريل/نيسان من العام التالي، سلّمته السلطة الفلسطينية إلى السلطات الفرنسية، استجابةً لمذكرة الاعتقال الدولية. ولد محمود خضر عابد عدرا، المعروف باسم هشام حرب، عام 1955 في بلدة يطا جنوبي الضفة الغربية.

انضم إلى تنظيم فتح-المجلس الثوري بعد انشقاقه عن حركة فتح، لمعارضته أي تسوية أو تفاوض مع إسرائيل، ونشط التنظيم بقوة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ونفّذ سلسلة من الهجمات في العالم شملت عمليات اغتيال وخطف طائرات وهجمات على أهداف إسرائيلية. وبدأ حرب مدرّبا للأسلحة النارية في معسكرات تدريب التنظيم في سوريا، ثم أصبح عضوا في اللجنة المركزية ورئيسا لقسم التسليح في أوروبا وآسيا، وذلك بعد نجاحه في اغتيال أحد المنشقين عن التنظيم في مدريد. وقد تخلى لاحقا عن العمل المسلح، وتنقل بين دول عربية عدة، قبل أن يقرر العودة إلى غزة مع عرفات في يوليو/تموز 1994 بعد تسوية وضعه، مثل مئات العناصر ضمن الإجراءات التي أعقبت توقيع اتفاقية أوسلو في 13 سبتمبر/أيلول 1993.

وفي عام 1998 اجتمعت اللجنة المركزية لتنظيم فتح-المجلس الثوري في القاهرة، وطرح زعيمه أبو نضال على هامش الاجتماع مسألة إعدام هشام حرب، لكن أعضاء اللجنة رفضوا ذلك ودعوه للتركيز على الاختلالات التنظيمية. وبعد انتقاله للعيش في الضفة الغربية مع عائلته، التحق حرب بجهاز المخابرات العامة في رام الله إلى أن تقاعد منه وهو في رتبة عقيد. في التاسع من أغسطس/آب 1982، وحوالي الساعة الواحدة ظهرا، هاجمت مجموعة مسلحة مطعما في شارع دي روزييه بالحي اليهودي وسط باريس.

وألقى المهاجمون قنبلة يدوية داخل المطعم المزدحم، ثم أطلقوا النار من رشاشات بولندية من طراز "دبليو زد-63" على الزبائن، وبعدها ألقوا قنبلة أخرى وأطلقوا النار على المارة أثناء فرارهم. وأسفر الهجوم عن مقتل 6 أشخاص وإصابة 22 آخرين بجروح. أشرف القاضي الفرنسي المتخصص في قضايا الإرهاب جان لوي بروغيير على التحقيق، وقادته الأدلة إلى الاشتباه في تنظيم أبو نضال، إلا أن التحقيق لم يحرز تقدما، قبل أن يكشف تقرير رسمي لاحقا أن رئيس إدارة المراقبة الإقليمية آنذاك إيف بونيه أبرم اتفاقا شفويا مع التنظيم يقضي بعدم ملاحقة عناصره مقابل وقف عملياتهم في فرنسا.

وفي عام 2007 قرر القاضي مارك تريفيدي إعادة فتح الملفات العالقة، ومنها هجوم مطعم الحي اليهودي. وأظهرت التحاليل التقنية والعلمية الجديدة للمقذوفات أن الذخيرة المستخدمة في الهجوم من النوع نفسه الذي استخدمه تنظيم أبو نضال في هجمات استهدفت كنيسا يهوديا في فيينا ودبلوماسيا إسرائيليا في لندن. وبدأ القاضي تحقيقا ضخما بمشاركة أجهزة الاستخبارات بحثا عن أعضاء سابقين في التنظيم، الذي انحل بعد وفاة مؤسسه أبو نضال في بغداد عام 2002.

واستجوب القاضي عشرات الأشخاص في دول عدة، في محاولة منه للوصول إلى معلومات عن مرتكبي العملية، إلى أن وافق شاهدان عام 2008 على التحدث بشرط عدم الكشف عن هويتهما لتجنب أي خطر انتقامي. وشغل هذان الشاهدان مهام قيادية في التنظيم وعرفا في التحقيقات بالرقمين 93 و107، وقد وفرا معظم المفاتيح التي مكنت من حل لغز الهجوم والكشف عن هوية مرتكبيه ودوافعه. وحدد الشاهدان هوية محمد سهير العباسي المعروف بأمجد عطا، وهو رئيس العمليات في أوروبا، ويقف وراء التخطيط للعملية واختيار الهدف وإدارة الأموال.

وبالأسلوب نفسه، تم تحديد هوية حرب، والذي كان قائد المجموعة المنفذة، واستطلع المنطقة رفقة عطا قبل شهر من تنفيذ العملية مستخدمين هويات مزيفة. وحسب التحقيقات فإن حرب أخرج الرشاشات والقنابل اليدوية من مخبأ سري، وحدد خطة الهروب من موقع الهجوم وكيفية التخلص من الأسلحة. وكان أحد الضحايا الذين أصيبوا أثناء فرار المهاجمين قد تعرف على صورة حرب رغم أنه كان حينئذ في الـ16 من العمر.

أما المتهم الثالث فهو وليد عبد الرحمن أبو زايد، أحد عناصر التنظيم المخضرمين، وقد تخلى عن العمل المسلح عام 1991، وهاجر إلى النرويج مع زوجته وأطفاله الأربعة. في 20 فبراير/شباط 2015، أصدر القاضي تريفيدي 3 مذكرات توقيف دولية بحق أعضاء المجموعة، ومن بينهم حرب، غير أن السلطة الفلسطينية رفضت تسليمه حينئذ بحجة أن أراضيها لا تتمتع بوضع الدولة المعترف بها. وفي عام 2022، أكد وزير العدل الفرنسي إريك دوبون موريتي أمام الجمعية الوطنية أنه "لا يمكن تسليمه".

في 19 سبتمبر/أيلول 2025 اعتقلت الشرطة الفلسطينية حرب، واحتجزته في نظارة البالوع دون توجيه تهم رسمية، وذلك قبل أيام من اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية. ونقل لاحقا إلى المستشفى الاستشاري في رام الله بسبب مضاعفات مشاكل في القلب، إضافة إلى تداعيات مرض سرطان المثانة الذي يعاني منه. وقالت عائلته في تصريحات صحفية إنه أنهى العلاج الكيميائي قبل اعتقاله بشهر، وينتظر بدء العلاج الإشعاعي.

وأشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ"التعاون الممتاز" مع السلطة الفلسطينية، وأكد أن باريس تعمل مع رام الله من أجل تسليم سريع للمشتبه به. وفي 22 سبتمبر/أيلول، أعلن ماكرون اعتراف بلاده رسميا بدولة فلسطين في كلمة أثناء افتتاح المؤتمر الدولي رفيع المستوى من أجل تسوية سلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين في نيويورك. وفي 11 نوفمبر/تشرين الثاني، كشف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس -في مقابلة مع صحيفة لوفيغارو الفرنسية على هامش لقائه ماكرون في قصر الإليزيه– أن الإجراءات الخاصة بتسليم حرب إلى فرنسا قد وصلت مراحلها النهائية، مشيرا إلى أن اعتراف فرنسا بفلسطين هيأ إطارا مناسبا للتعاون القضائي بين البلدين.

أما قصر الإليزيه فأكد أنه "لا توجد مشكلة قانونية في تسليمه، بل في قابلية التنفيذ" في إشارة إلى التنسيق الجاري مع الجانب الفلسطيني لضمان سلامة الإجراءات القانونية. وفي 12 نوفمبر/تشرين الثاني، أصدرت 13 منظمة حقوقية وأهلية فلسطينية بيانا مشتركا اعتبرت فيه أن أي إجراء يفضي إلى تسليم مواطن فلسطيني إلى جهة أجنبية يعد انتهاكا صارخا للقانون الأساسي الفلسطيني. وصرح محمد الهريني (محامي حرب) أن تسليمه لفرنسا "غير ممكن قانونيا" وأوضح أن القانون الفلسطيني لا يعطي السلطة أي صلاحية لتسليم مواطن فلسطيني، وأن ملف الإنتربول لا يبرر أي تجاوز للقانون.

وعُقدت في محكمة صلح رام الله جلسة للنظر في مذكرة توقيف من الشرطة الدولية، قبل أن يتم تأجيلها إلى 25 نوفمبر/تشرين الثاني. وأوضح المحامي أسبابا عدة تجعل تسليم حرب مستحيلا منها أن القانون الفلسطيني يمنع تسليم أي حامل للجنسية الفلسطينية، كما أنه لا توجد اتفاقية تسليم بين السلطة الفلسطينية وفرنسا. وأضاف أن قانون تسليم المجرمين لعام 1927 بريطاني ملغى وغير قابل للتطبيق لتعارضه مع القانون الفلسطيني، فضلا عن أن التهم الموجهة إلى حرب تعود لعام 1982، أي قبل 43 عاما، مما يجعل عامل التقادم يسقط القضية.

يوم 16 أبريل/نيسان 2026 سلّمت السلطة الفلسطينية هشام حرب (محمود العدرا) إلى السلطات الفرنسية، استجابةً لمذكرة اعتقال دولية تطالب بها باريس منذ عام 2015، على خلفية اتهامه بالمشاركة في هجوم مسلح وقع عام 1982 واستهدف مطعما في الحي اليهودي وسط العاصمة الفرنسية، وأسفر حينها عن مقتل 6 أشخاص وإصابة 22 آخرين. ونُقل العدرا إلى الأردن تمهيدا لتسليمه إلى فرنسا، بعد أن كان محتجزا في سجن بمدينة يطا جنوب الضفة الغربية. ويأتي ذلك رغم مسار قضائي كان لا يزال مفتوحا، إذ كان من المقرر عقد جلسة في محكمة رام الله للنظر في قضيته، قبل أن ترفض محكمة إدارية فلسطينية طلبا عاجلا تقدم به محاميه لوقف إجراءات التسليم، دون توضيح الأسباب.

الخطوة أثارت اعتراضات عائلته التي اعتبرت عملية التسليم "غير قانونية"، وأبدت مخاوف جدية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة في فرنسا، فضلا عن القلق المتزايد على حالته الصحية، في ظل معاناته من أمراض مزمنة، بينها السرطان واضطرابات عصبية.