من أبرز المشاريع الاستراتيجية في إيران، يقع على ساحل خليج عُمان شرق مضيق هرمز، ما يمنحه أهمية جيوسياسية عالية. ويشكّل الميناء منفذا نفطيا رئيسيا يربط إيران مباشرة بالمحيط الهندي خارج نطاق الخليج العربي. ويتمحور دوره الأساسي حول تمكين تصدير النفط الخام مباشرة من داخل الأراضي الإيرانية إلى الأسواق العالمية دون الحاجة للمرور عبر مضيق هرمز، وذلك من خلال مشروع خط أنابيب غوره–جاسك.
ويسهم هذا التوجه في تنويع قنوات التصدير وتقليل الاعتماد على المضيق، الذي يعد أحد أبرز نقاط الاختناق في منظومة الطاقة العالمية. يقع ميناء جاسك جنوب شرق إيران ضمن محافظة هرمزغان، على الساحل الشمالي لخليج عُمان، خارج نطاق مضيق هرمز مباشرة، ويتمركز في مدينة جاسك الساحلية، ما يمنحه موقعا استراتيجيا يتيح الوصول المباشر إلى بحر العرب والمحيط الهندي دون الحاجة للمرور عبر المضيق. ويبعد الميناء نحو 320 كيلومترا شرق مدينة بندر عباس، ونحو 1600 كيلومتر عن العاصمة طهران، وهو ما يعزز موقعه باعتباره منفذا بحريا بديلا لتأمين حركة تصدير النفط والتجارة بعيدا عن مناطق الاختناق الجيوسياسي.
أما من حيث المساحة والبنية التشغيلية، فيضم الميناء مرفأ (مرسى) يبلغ طوله نحو 520 مترا، إضافة إلى بنية تحتية واسعة تشمل خط أنابيب نفطي يمتد بطول 1100 كيلومتر لربطه بمناطق الإنتاج داخل البلاد. كما يتضمن المشروع وحدات تخزين نفطية ضخمة تضم نحو 20 خزانا كبيرا، بسعة إجمالية تصل إلى نحو 30 مليون برميل. تبلورت نشأة ميناء جاسك في إطار توجه استراتيجي إيراني لتأمين منافذ بديلة لتصدير النفط خارج مضيق هرمز، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية والعقوبات على قطاع الطاقة.
وقد بدأت ملامح المشروع فعليا عام 2019، مع الإعلان عن حزمة استثمارات تطويرية شملت إنشاء محطة جديدة لناقلات النفط، ومشروع خط أنابيب يمتد من منطقة غوره في محافظة بوشهر إلى ميناء جاسك بطول يقارب 1000–1100 كيلومتر، بهدف نقل النفط الخام مباشرة إلى سواحل بحر عُمان. وفي غضون فترة زمنية قصيرة نسبيا لم تتجاوز عامين، نُفذت المرحلة الأولى من المشروع، التي ركزت على إنشاء البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك خزانات تخزين ضخمة، ومراسي بحرية، وشبكة متكاملة من خطوط الأنابيب البرية والبحرية. وبلغت الكلفة الإجمالية لهذه المرحلة نحو ملياري دولار، مع قدرة تصديرية أولية قُدّرت بنحو مليون برميل يوميا، مع خطط توسعة مستقبلية كبيرة.
وفي يوليو/تموز 2021، أُعلن عن بدء تصدير النفط رسميا عبر ميناء جاسك، وانطلقت أول شحنة نفط خام باستخدام ناقلة عملاقة، في خطوة مكّنت إيران لأول مرة من تصدير نفطها خارج نطاق الخليج، ما عزز مرونتها الاستراتيجية في إدارة صادراتها النفطية. يمثل ميناء جاسك أحد أهم المشاريع الاستراتيجية لإيران، نظرا لموقعه الجغرافي الفريد على بحر عُمان، حيث يتموضع عمليا ضمن نطاق حيوي يربط بين ثلاثة من أهم الممرات البحرية العالمية: مضيق هرمز، وباب المندب، ومضيق ملقا. هذا الموقع يمنحه ميزة تنافسية باعتباره محطة بحرية قادرة على الوصول السريع إلى المياه الدولية، إضافة إلى توفر ممرات مائية واسعة وأعماق مناسبة تسمح باستقبال السفن وناقلات النفط العملاقة.
تنبع الأهمية الاستراتيجية للميناء من كونه بديلا لمضيق هرمز، الذي يمثل نقطة اختناق جيوسياسية حساسة. إذ تسعى إيران من خلاله إلى ضمان استمرارية تصدير النفط حتى في حالات التوتر أو الإغلاق المحتمل للمضيق. كما يشكل الميناء أداة لتخفيف آثار العقوبات الدولية، عبر توفير مسارات تصدير بديلة وأكثر مرونة، إلى جانب استخدامه في عمليات تجارية غير تقليدية، مثل البيع في الأسواق الموازية.
وعلى الصعيد الأمني والعسكري، يعزز ميناء جاسك من قدرة إيران على توسيع حضورها البحري في بحر العرب والمحيط الهندي، ويوفر منفذا مباشرا للقوات البحرية، بما في ذلك الحرس الثوري، للوصول إلى مناطق إستراتيجية قريبة من جنوب آسيا وشرق إفريقيا. كما يتيح موقعه إمكانية التأثير في معادلات الأمن الإقليمي، خاصة في محيط خليج عدن. اقتصاديا، يحمل الميناء بعدا تنمويا مهما ضمن استراتيجية تطوير سواحل مكران، إذ يُتوقع أن يتحول إلى مركز لوجستي وتجاري متكامل يدعم حركة الاستيراد والتصدير، ويرتبط بشبكة خطوط أنابيب النفط، ليشكل نقطة ارتكاز ثانية بعد جزيرة خارك في منظومة الطاقة الإيرانية.
كما يهدف إلى طمأنة الشركاء التجاريين، خصوصا الدول الآسيوية، بقدرة إيران على تأمين إمدادات مستقرة من النفط. ورغم هذه الأهمية، يواجه المشروع تحديات كبيرة، أبرزها تأثير العقوبات الدولية التي أدت إلى نقص التمويل، وصعوبة استيراد المعدات، وتعثر الشراكات مع الشركات الأجنبية، إضافة إلى قيود على الشحن والتأمين. هذه العوامل مجتمعة شكلت عائقا أمام تحقيق كامل إمكاناته، وتضع المشروع في مواجهة مستمرة مع التحديات الاقتصادية والسياسية.

AJ+ Français