ممر مائي حيوي، ومحط اهتمام سياسي واقتصادي، وشريان طاقة رئيسي يضم 69% من احتياط العالم من النفط. تطل على سواحله ثماني دول، ابتداءً من مضيق هرمز جنوبا إلى شواطئ العراق والكويت شمالا. منحته الجغرافيا مكانة مميزة، فكان جسرا للتواصل الحضاري والتجاري عبر التاريخ، ومرفأ يصل شرق العالم بغربه.
كما منحته ثرواته مكانة مميزة تقاطعت عندها مصالح الدول، وجعلت استقراره شرطا أساسيا لاستقرار الاقتصاد العالمي. شهد في أواخر فبراير/شباط 2026 اندلاع حرب أمريكية إسرائيلية إيرانية، مما أدى إلى تصاعد حدة التوترات في المنطقة لتنعكس مباشرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، كما أثارت مخاوف واسعة حول سلامة حركة الملاحة البحرية والجوية وأسواق الطاقة العالمية، التي تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز الطبيعي القادم من الخليج. يقع الخليج العربي في جنوب غرب آسيا، ويتصل ببحر العرب وخليج عُمان عبر مضيق هرمز.
وتحده من الجنوب والغرب سواحل شبه الجزيرة العربية، بما فيها السعودية والإمارات وقطر وعُمان، ومن الشمال الغربي العراق والكويت، ومن الشرق والشمال الشرقي إيران، وتقع فيه مملكة البحرين، وهي جزيرة في الجهة الغربية من الخليج، أقرب إلى شبه الجزيرة العربية. ويمتد الخليج العربي على مساحة تقدّر بنحو 241 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ طوله حوالي 990 كيلومترا من الشمال الغربي عند شواطئ العراق والكويت، إلى الجنوب الشرقي عند مدخل مضيق هرمز. أما مجموع طول سواحل الدول المطلة عليه، بما في ذلك الجزر والشواطئ المتعرجة، فيبلغ نحو 3300 كيلومتر.
ويُعد الخليج ضحلا نسبيا مقارنة بالبحار المفتوحة، إذ يبلغ متوسط عمقه حوالي 50 مترا، بينما يصل أقصى عمق فيه إلى نحو 100 متر. للخليج العربي أهمية استراتيجية قصوى، لما يتمتع به من موقع جغرافي محوري بين الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا، إذ يربط بين دول الخليج العربي وسواحل إيران، ويحتضن أهم ممرات الطاقة البحرية والتجارة العالمية، ولا سيما مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يناهز خُمس النفط المصدر عالميا. كما يستمد الخليج أهميته الاستراتيجية من كونه مصدرا لأكبر احتياطيات النفط والغاز الطبيعي في العالم، الأمر الذي يجعل منه محورا رئيسيا لأسواق الطاقة الدولية ويمنحه أهمية اقتصادية وسياسية كبرى.
علاوة على ذلك، يمثل الخليج حلقة وصل استراتيجية بين القارات، ويشكل نقطة تركيز للتنافس الإقليمي والدولي، حيث تتقاطع مصالح الدول الكبرى مع المصالح الإقليمية لمعظم الدول المطلة عليه. ويطل على الخليج العربي ثماني دول، هي: العراق والكويت والسعودية والبحرين وقطر والإمارات وعُمان وإيران، كما أن فيه حوالي 130 جزيرة، تتوزع بين الجانبين العربي والإيراني. عرفت منطقة الخليج العربي منذ العصور القديمة باعتبارها من الممرات البحرية الحيوية التي ربطت حضارات الشرق الأدنى القديم بآسيا والهند، وشهدت المنطقة رحلات بحرية واستكشافية مبكرة، من أبرزها رحلة القائد اليوناني نيارخوس في عهد الإسكندر الأكبر أواخر القرن الرابع قبل الميلاد.
وعبر التاريخ، شكّل الخليج ملتقى لعدة حضارات كبرى، بما في ذلك الحضارة العربية والفارسية والإسلامية، وساهم في شبكات التجارة البحرية الممتدة بين الصين والهند والشرق الأوسط خلال العصور الوسطى. وفي القرن السادس عشر أصبح الخليج مسرحًا لتنافس القوى الأوروبية البحرية، ولا سيما البرتغاليين ثم البريطانيين، في السيطرة على طرق التجارة بين الهند والشرق الأوسط. ومع مطلع القرن العشرين، دخلت المنطقة مرحلة جديدة مع اكتشاف النفط والغاز الطبيعي، بدءا من إيران ثم امتدادا إلى كل من العراق والبحرين والسعودية والكويت وقطر والإمارات.
وقد أحدث هذا التحول تغيرا اقتصاديا واجتماعيا عميقا في المنطقة، إذ انتقلت مجتمعات الخليج من اقتصادات تقليدية تعتمد على الصيد والغوص بحثا عن اللؤلؤ والتجارة البحرية، إلى اقتصاد حديث قائم على موارد الطاقة. منطقة الخليج العربي واحدة من أغنى مناطق العالم من حيث الموارد الطبيعية، وخاصة النفط، إذ تملك دول الخليج احتياطيات ضخمة من النفط الخام تجعلها من أبرز مراكز الطاقة في العالم. وإلى حدود عام 2025، تتصدر السعودية دول الخليج من حيث الاحتياطيات النفطية.
وفيما يأتي قائمة مرتبة باحتياطات النفط في كل دولة: ويشكل مجموع هذه الاحتياطيات نحو 864 مليار برميل، أي ما يمثل نسبة 69% من الاحتياطيات النفطية العالمية. لا تقتصر أهمية الخليج العربي على حجم احتياطياته النفطية الضخمة، بل تمتد إلى القدرة الإنتاجية العالية التي تجعل منه فاعلا محوريا في أسواق الطاقة العالمية، إذ يبلغ إنتاج دول الخليج من النفط الخام نحو 18 مليون برميل يوميا، وفق إحصاءات عام 2025، وهو ما يمثل حوالي 19% من إجمالي الطلب العالمي. كما تملك هذه الدول طاقة إنتاجية احتياطية، تتيح زيادة الإنتاج بسرعة، من أجل تعويض أي نقص في الإمدادات أو تغيرات مفاجئة في الأسواق العالمية، مما يعزز دورها الاستراتيجي في استقرار أسواق الطاقة وحماية تدفق الإمدادات النفطية الدولية.
الغاز الطبيعي هو المورد الثاني الأهم في اقتصاد منطقة الخليج العربي بعد النفط، وتبرز قطر بوصفها من أبرز الفاعلين في هذا القطاع عالميا، بفضل امتلاكها احتياطات ضخمة في حقل الشمال الذي يُعد أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، وتشترك فيه مع إيران (حقل بارس الجنوبي). وتُقدَّر احتياطيات الغاز المؤكدة في إيران بما بين 32 و34 تريليون متر مكعب، مما يجعلها من أكبر الدول المالكة لاحتياطيات الغاز في العالم، في حين تملك قطر حوالي 25 تريليون متر مكعب، وهو ما يعزز مكانة الخليج باعتباره أحد أهم مراكز الغاز الطبيعي عالميا. وتحتل قطر موقعا متقدما في تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، إذ تُعد ثاني أكبر مُصدِّر له بعد الولايات المتحدة، ويبلغ إنتاجها السنوي نحو 205.7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي، وهو ما يمثل قرابة 6.5% من إجمالي الإنتاج العالمي.
كما تستحوذ على نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. وتتجه الحصة الكبرى من صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية إلى الأسواق الآسيوية، حيث تستحوذ آسيا على نحو 82% من إجمالي الصادرات، في حين تحصل أوروبا على نحو 10% منها. مع بداية عصر الاستكشافات الجغرافية، سعت القوى الأوروبية إلى السيطرة على طرق التجارة البحرية المؤدية إلى الهند وشرق آسيا.
وفي عام 1507، تمكنت البرتغال من فرض نفوذها على جزيرة هرمز عند مدخل الخليج العربي، قبل أن تؤكد سيطرتها هناك نهائيًا سنة 1515، حين أقامت قلعة هرمز لتصبح مركزًا لنفوذها البحري والتجاري في المنطقة. واستمر هذا النفوذ لأكثر من قرن، حتى عام 1622، حين تمكنت قوات الدولة الصفوية بقيادة عباس الأول، وبمساندة بحرية من شركة الهند الشرقية الإنجليزية، من الاستيلاء على هرمز وطرد البرتغاليين، منهية وجودهم العسكري المباشر في الخليج. إبان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عملت بريطانيا على تعزيز نفوذها في الخليج العربي لضمان حماية طرق التجارة البحرية بين بريطانيا والهند، خاصة مع أهميته الاستراتيجية باعتباره ممرا تجاريا رئيسيا.
وقد عقدت بريطانيا سلسلة من الاتفاقيات مع مشايخ الساحل العربي ابتداء من عام 1820، عُرفت باسم "معاهدات السلم البحري"، ثم اتفاقية "الهدنة الدائمة" عام 1853 التي رسخت النفوذ السياسي والعسكري البريطاني في المنطقة. واستمر هذا الوضع حتى منتصف القرن العشرين، حين بدأت بريطانيا الانسحاب التدريجي مع نشأة دول الخليج الحديثة واستقلالها. شكل اكتشاف النفط في المنطقة نقطة تحول تاريخية في اقتصاد الخليج العربي.
فقد اكتُشف أولا في إيران عام 1908، ثم في البحرين عام 1932، ثم السعودية عام 1938، وتبعتها الكويت وقطر والإمارات لاحقا. وقد أدى هذا الاكتشاف إلى تحول جذري في اقتصادات المنطقة، إذ انتقلت من الاعتماد على صيد السمك واللؤلؤ والتجارة البحرية إلى اقتصادات نفطية حديثة، مرتبطة ارتباطا وثيقا بالاقتصاد العالمي. في عام 1968، أعلنت بريطانيا قرارها الانسحاب من منطقة شرق السويس (الخليج العربي وجنوب شرق آسيا)، وهو ما أدى إلى إنهاء وجودها العسكري المباشر في الخليج، وإعلان استقلال عدد من الدول الخليجية.
إذ أُعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، واستقلت البحرين وقطر في العام نفسه، في حين كانت الكويت قد حصلت على استقلالها عام 1961. اندلعت الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى) في سبتمبر/أيلول 1980، عندما غزت القوات العراقية الأراضي الإيرانية، واستمرت حتى أغسطس/آب 1988، لتكون واحدة من أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين. ونتج عنها خسائر بشرية ومادية كبيرة للطرفين، وأثرت على استقرار المنطقة بأكملها.
وفي أثناء الحرب، امتد الصراع ابتداء من عام 1984 إلى مياه الخليج العربي فيما عرف باسم "حرب الناقلات"، إذ استهدفت القوات العراقية والإيرانية ناقلات النفط والسفن التجارية التابعة للطرف الآخر، في محاولة لإلحاق الضرر بالاقتصاد المعادي وإضعاف قدرته على تمويل الحرب. وأدى هذا التصعيد إلى تهديد الملاحة البحرية الدولية، مما دفع القوى العالمية -خاصة الولايات المتحدة الأمريكية- للتدخل لحماية السفن النفطية والتجارة البحرية في الخليج. وكان لهذا الصراع تأثير كبير على اقتصادات دول الخليج آنذاك، بسبب ارتفاع أسعار التأمين وانقطاع شحن النفط، كما أسس لتوترات أمنية طويلة الأمد في المنطقة، استمرت انعكاساته على السياسات الإقليمية والدولية لاحقا.
في الثاني من أغسطس/آب 1990، اجتاحت القوات العراقية الكويت مما أثار أزمة دولية كبيرة وأدى إلى صدور قرارات من مجلس الأمن الدولي ترفض الاحتلال وتفرض عقوبات على العراق. وفي يناير/كانون الثاني 1991، شنّ تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة حملة عسكرية ضد العراق، فيما عرف بحرب الخليج الثانية، واستمرت العمليات حتى أواخر فبراير/شباط 1991، عندما تم إخراج القوات العراقية بالكامل من الكويت. وقد ساهمت هذه الحرب في تعزيز الوجود العسكري الأمريكي والدولي في المنطقة، وأكدت أهميتها استراتيجيا في الأمن العالمي وضمان أمن مصادر الطاقة.
في مارس/آذار 2003، قادت الولايات المتحدة تحالفا دوليا لغزو العراق بهدف إسقاط نظام الرئيس صدام حسين، بذريعة تطوير أسلحة دمار شامل وتمويل الإرهاب. أدى هذا التدخل العسكري إلى سقوط النظام العراقي بعد شهر من الغزو، أي في 9 أبريل/نيسان من العام نفسه، ليفتح الباب أمام فترة من الفوضى السياسية والأمنية عمت البلاد لسنوات. وكان لهذا الحدث أثر كبير على موازين القوى في الخليج العربي، إذ أدى سقوط نظام صدام إلى تزايد النفوذ الإقليمي لإيران، سواء سياسيا أو دينيا، عبر دعم فصائل عراقية شيعية.
كما أسهم الغزو في تعزيز الوجود العسكري الأمريكي والدولي في دول الخليج لفترات طويلة، مع فرض قواعد عسكرية أمريكية لتعزيز الأمن الإقليمي وحماية طرق النفط والملاحة البحرية. في يونيو/حزيران 2025، اندلعت حر بين إسرائيل وإيران استمرت 12 يوما، بعد أن نفّذت إسرائيل عملية "الأسد الناهض" التي نفذت فيها ضربات جوية استهدفت منشآت عسكرية ونووية داخل إيران، وردّت عليها طهران بعملية " الوعد الصادق 3″ التي أطلقت فيها صواريخ ومسيّرات نحو أهداف إسرائيلية. وأثار هذا التصعيد مخاوف دولية كبيرة من توسّع نطاق الحرب وتأثيرها على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة في الخليج العربي، ولا سيما مع تركز العمليات بالقرب من مضيق هرمز.
كما شهدت الأزمة تدخل الولايات المتحدة التي قدّمت دعما عسكريا واستخباريا لإسرائيل، وفي الوقت نفسه سعت إلى احتواء التصعيد ومنع امتداده إلى نزاع إقليمي أوسع. في أواخر فبراير/شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية داخل إيران، في إطار تصعيد كبير للتوترات الإقليمية. وردّت إيران على هذا الهجوم بسلسلة ضربات صاروخية وبالطائرات المسيّرة على إسرائيل، كما هاجمت طهران مواقع ومطارات وموانئ ومنشآت حيوية ومدنية في دول الخليج العربي، بدعوى الوجود الأمريكي فيها.
وقد أسفرت هذه الحرب عن اتساع رقعة العمليات العسكرية لتشمل منطقة الخليج العربي بأسرها، وأثرت بشكل مباشر على حركة الملاحة الجوية والبحرية، ولا سيما في مضيق هرمز الذي يعد من أهم طرق نقل النفط عالميا، وأدّى هذا التصعيد إلى اضطرابات في حركة ناقلات النفط وارتفاع كبير في المخاطر الأمنية في الممرات البحرية، مما انعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية والاستقرار الأمني في منطقة الخليج.

AJ+ Français
الجزيرة نت - يوتيوب