في النزاعات الحساسة، كثيرا ما نرى الدول والجهات المتنازعة لا تفضل اللجوء إلى المفاوضات المباشرة فيما بينها، وإنما تصل إلى التفاهمات والاتفاقات عبر مفاوضات غير مباشرة أو ما يعرف بالدبلوماسية غير الرسمية، وأحيانا السرية. ويهدف هذا النوع من الدبلوماسية عادةً إلى منح المفاوضات مزيدا من المرونة، واستكشاف فرص نجاحها المحتملة خصوصا في التفاصيل الحساسة، والتمهيد لوضع قواعد التفاهم وبناء الثقة، والتخفف من أعباء الالتزامات الفورية أو الإجابات القاطعة. وفي هذا النوع من المفاوضات، يكون للوسيط أهمية خاصة ودور جوهري في كسر الجليد وتذليل العقبات واقتراح الحلول وتمهيد الطريق إلى الاتفاقات النهائية.
المفاوضات غير المباشرة، وتسمى أحيانا بمحادثات التقارب، أو محادثات الغرف المنفصلة، هي: عملية تفاوض بين الأطراف المتنازعة دون تواصل مباشر بينهم أو الجلوس إلى طاولة واحدة، ولكن من خلال وسيط -أو أكثر- مقبول من جميع الأطراف، يتولى نقل المطالب والمقترحات، ويقرّب بين وجهات النظر، ويذلل السبل للوصول إلى التفاهمات النهائية. وتعرّف الأمم المتحدة الوساطة بأنها عملية يقوم من خلالها طرف ثالث بمساعدة طرفين أو أكثر، بموافقة تلك الأطراف، لمنع نشوب نزاع أو إدارته أو حلّه عن طريق مساعدتها على وضع اتفاقات مقبولة للجميع. لذلك فإن هناك مسارا في العلاقات الدولية يقوم على دبلوماسية الوساطات، أو ما يعرف بـ"دبلوماسية المكوك" (نسبة إلى مكوك النسيج الذي يربط الخيوط ببعضها)، يتولى فيها الوسيط التواصل الحثيث مع أطراف النزاع، لنقل المقترحات والرسائل وعقد التفاهمات.
وفي المفاوضات غير المباشرة، لا يقتصر دور الوسيط على نقل الرسائل فقط، بل يقوم بتقديم مقترحات توفيقية لا يستطيع أي طرف تقديمها مباشرة خشية أن تظهر كأنها علامة ضعف. وتتطلب الوساطة الفعّالة في الدبلوماسية المكوكية جملة من الصفات يجب توافرها فيمن يتصدى لها، ومن أهمها: تتعدد الأسباب التي تدفع الدول لتفضيل التفاوض غير المباشر على المباشر، ويرجع غالبها إلى حماية مصالحها السياسية، أو تجنّب التبعات القانونية، أو الحرص على صورتها الإعلامية أو موقفها الأيديولوجي. ويمكن تسليط الضوء على بعض من أهم الأسباب التي تجعل الأطراف تختار الغرف المنفصلة على الطاولة الواحدة، منها: وبالإجمال، تهدف المفاوضات غير المباشرة إلى استكشاف فرص التسوية ومناقشة القضايا الحساسة بعيدا عن ضغوط الرأي العام أو الرقابة الإعلامية على التفاصيل، مما يمنح القادة مساحة للتفاوض بحرية أكبر، كما قد يلجأ المتفاوضون إلى قنوات سرية تكمل المفاوضات الرسمية الجارية أو تحلّ بعض عقدها.
جرت مفاوضات لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022 عبر وساطة أمريكية في مقر الأمم المتحدة بالناقورة، دون أي اتصال مباشر بين الوفدين. وأسفرت هذه القناة السرية عن تسوية حدودية للمنطقة المتنازع عليها في البحر المتوسط، ومنعت اندلاع حرب محتملة، وفتحت الباب أمام استثمار الغاز وضمان مصالح الطرفين رغم استمرار العداء الرسمي بينهما. بدأت جلسات مفاوضات غير مباشرة بين الوفدين الفلسطيني عن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والإسرائيلي في شرم الشيخ، برعاية وساطة مصرية وقطرية، وبمشاركة فريق أمريكي، لبحث تهيئة الأوضاع الميدانية وآلية تبادل الأسرى في قطاع غزة عام 2025.
وقد أتيح للطرفين من خلال هذه القناة غير المباشرة استكشاف آليات وقف إطلاق النار وتحديد مراحل الانسحاب، مما مهد لتنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أعلن عنها في 29 سبتمبر/أيلول من العام نفسه. انطلقت جولات المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف أواخر فبراير/شباط 2026، بهدف تسوية النزاع الطويل حول البرنامج النووي الإيراني وتجنب تصعيد عسكري محتمل، وتجنب شنّ ضربات أمريكية جديدة على إيران في أعقاب تعزيزات عسكرية واسعة النطاق.

AJ+ Français