ربما لم تتخيَّل يوما، وأنت تعيش في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، أن تُعاصر حكايات الأوبئة التي قرأت عنها في كتب التاريخ، على غرار الإنفلونزا الإسبانية التي قتلت الملايين من سكان العالم منذ قرن مضى، أو الموت الأسود الذي نشر الذعر في أمم بأكملها قبل عدة قرون. ولكن ها أنت ذا اليوم تواجه أسوأ كوابيسك، تسير في شوارع بلادك فلا تكاد تُميِّز أحدا، الجميع يُغطّون وجوههم الحذِرة والمترقِّبة خوفا من ذلك الكائن المتناهي الصغر الذي غزا العالم منذ 18 شهرا، ولا يبدو أنه ينوي الرحيل في أي وقت قريب. نعم، أنت الآن تعيش في عالم يحكمه ويتحكَّم به فيروس كورونا.

على الرغم من مرور عام ونصف على بدء الجائحة، وفي وقت يُسابق فيه العالم الزمان لتطعيم كل سكانه، الذين يقترب عددهم من 8 مليارات إنسان، فإن الفيروس الخبيث لا ينفك يتغيَّر باستمرار، ما يُثير مخاوف كبيرة حول كفاءة التطعيمات الحالية في مواجهة والحد من انتشار السلالات والتنوُّعات (Variants) العديدة التي تظهر كل بضعة أشهر في دولة أو أخرى. منذ ظهور فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19″، حدثت عدة طفرات أدَّت إلى نشوء تنوُّعات من الفيروس الأصلي، تختلف عن بعضها بعضا في عدة خصائص، مثل قابلية الانتشار، وسهولة اختراق خلايا الجسم، ومدى مقاومتها لرد فعل الجهاز المناعي. الفيروسات تتحوَّر باستمرار، هذه طبيعتها، وليس كل تحوُّر بالضرورة مخيفا أو خطرا، بل في بعض الأحيان ربما تؤدي طفرة ما إلى الحد من انتشار فيروس بعينه، ولكن -للأسف- هذه ليست الحالة هنا (1).

قد يكون أخطر تنوُّعات فيروس "كوفيد-19" هو التنوُّع "دلتا"، الذي سُجِّل لأول مرة في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2020 في ولاية ماهاراشترا الهندية، ثالث أكثر ولايات الهند ازدحاما بالسكان (2)، وإن كان لا يعني هذا بالضرورة أنه نشأ أصلا في الهند، لذا اصطُلِح على تسميته "تنوُّع دلتا" بدلا من "الطفرة الهندية"، تجنُّبا لوصم البلاد أمام العالم (3). وصل عدد الإصابات بالتنوُّع دلتا في الهند إلى 400.000 إصابة في اليوم الو