يزيد بن عبد الملك، الخليفة الأموي التاسع، عهد إليه أخوه سليمان بالخلافة من بعد عمر بن عبد العزيز، وبسببٍ من ضعف أدائه السياسي ثار الخوارج وغيرهم في عهده عدة مرات، وأجج ذلك طبيعته العاطفية، انشغل بالجواري والإماء اللواتي قال فيهن شعرا كثيرا، وتوفي عن 39 سنة في عام 105 هجرية. ولد يزيد بن عبد الملك بن مروان أبو خالد سنة 66 هجرية، وينسب إلى أمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، التي نشأ في حجرها، وكانت امرأة سخية فاضلة، فقد أنفقت مالها على فقراء آل أبي سفيان، كما سجلت لها كتب التاريخ موقفا مشرفا في خضم الصراع الدامي بين آل مروان وابن الزبير، لما انتصر عبد الملك على عبد الله وأخذ رأسه يطوف به في الأمصار، فأخذته عاتكة فغسلته ودفنته، وقالت: "أما رضيتم بما صنعتم حتى تطوفوا به في المدن.. هذا بغي"!

تلقى يزيد التربية والعلم على يد المؤدبين الذين اختارهم عبد الملك لأولاده، وكان منهم الضحاك بن مزاحم، وعامر بن شراحيل، وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر والزهري. وقد اجتهد في لقاء العلماء اجتهادا كبيرا، فكان يرحل من دمشق إلى المدينة، ويتردد على حلقات الفقهاء والمحدثين، حتى ثقِف الحديث وتمكن من علومه، وقد عدّه ابن عساكر في تاريخ دمشق من المحدثين. غير أن يزيد كان شابا مرحا مأخوذا بحب اللهو والغناء، ينظم الشعر ويتتبع الغواني ويشتري الجواري والإماء.

لما حضرت سليمان الوفاة أوصى بالخلافة لعمر بن عبد العزيز، وخوفا من غضب آل مروان، فقد عهد بها من بعد عمر إلى يزيد بن عبد الملك. ولما تسلم يزيد الخلافة سنة 101 هجرية، قال: والله ما عمر بأحوج إلى الله مني، فأقام مدة بسيرته، غير أن ميله إلى المرح واللهو حاد به عن جادة سلفه، فأبطأ عن الخروج إلى الصلاة بالناس، وأهمل إدارة البلاد نسبيا، فكثرت التمردات في عهده واختلت أمور الدولة، وابتدأت أحوالها بالفساد، غير أن الخلافة كانت من القوة بما جعلها تظهر بمظهر حسن ومتماسك طوال سنين حكمه، ولم تظهر آثار الاختلال إلا بعد سنوات طويلة من ذلك. وكان من أبرز ما خ