بغداد المدينة التي أُطلق عليها "مدينة السلام"، كانت عرضة على مدى تاريخها الطويل للغزوات والحروب والهجمات الدامية، وتوالى سقوطها بأيدي الطامعين مرة تلو الأخرى، وكابدت وأهلها ويلات التدمير والتقتيل والتنكيل والتجويع. وهناك ما يزيد على 20 واقعة سقطت فيها بغداد بيد حكم أجنبي منذ إعادة تشييدها عام 762 للميلاد، في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور. وكانت الوقائع التالية هي الأبرز والأعمق تأثيرا في تاريخ المدينة العريق: بدأ الضعف يدب في جسد الدولة العباسية منذ النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي، وظهرت هيمنة الأتراك والقادة العسكريين على الخلفاء، وسيطروا على إدارة شؤون الدولة، وأصبح الخليفة رمزا روحيا مجردا من السلطة، ومعرضا للاغتيال والسجن والتعذيب.

وبحلول القرن العاشر تردت الأحوال، فاستنجد الخليفة المستكفي في بغداد بالبويهيين، وكانت الدولة البويهية الشيعية تحكم بلاد فارس، وسرعان ما استجاب "أحمد بن بويه"، فدخل بغداد عام 945، فاحتفى به الخليفة وأكرمه ولقبه "معز الدولة" وأمر أن يُخطب له على المنابر. ولكن معز الدولة ما لبث أن حجر على الخليفة، ولم يطل المقام به حتى خلعه وسجنه، وعين بدلا منه "المطيع لله"، وهكذا سقطت بغداد في براثن البويهيين. وعلى إثر ذلك، دخل ناصر الدولة بن حمدان، حاكم الموصل، بجيشه إلى بغداد، وانقسمت المدينة بينهما شطرين، ودارت معارك عنيفة استمرت أياما، نهب البويهيون خلالها المدينة، وفي آخر المطاف استطاعوا دحر ناصر الدولة، ولم تكد تمر سنة حتى اشتد الغلاء ببغداد، ولحقت بالناس المجاعة والأمراض.

وفي ظل الدولة البويهية التي سيطرت على بغداد نحو قرن ونيف، انتشر المذهب الشيعي، وجرى فيها مأتم لطم رسمي في يوم عاشوراء بأمر من المعز، وتحت حكم البويهيين زاد وضع الخلفاء سوءا، وعانت البلاد من ظروف سياسية واقتصادية متردية. ضاق العباسيون ذرعا بالبويهين، فاستغاثوا بالسلاجقة الأتراك، القوة الإسلامية الصاعدة في المنطقة، وما كان من "طغرل بك" إلا أن دخل بجيشه بغداد، وقضى على الدول