أرتميس برنامج فضاء أميركي يهدف للتأسيس لوجود بشري طويل الأمد على القمر، وإنشاء محطة فضائية صغيرة باسم "غيت واي"، وتوفير ما يلزم لتيسير السبل لبعثات بشرية مأهولة إلى المريخ، ويتكون من أربع مهمات متتالية تؤسس كل مهمة منها لجزء من المشروع. انطلقت المهمة الأولى من المرحلة الأولى منه (مهمة أرتميس 1) في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، واستمرت 25 يوما، بينما انطلقت مهمة "أرتميس 2" فجر الخميس 2 أبريل/نيسان 2026، من قاعدة كيب كينيدي بولاية فلوريدا الأمريكية، بعد تأجيلات متعددة، حاملة أربعة رواد فضاء في رحلة مدتها 10 أيام حول القمر. وتُعد أرتميس 2 الرحلة الأولى التي تحمل بشرا إلى القمر منذ آخر بعثة لبرنامج أبولو 1972، وهي لا تهدف إلى الهبوط على سطح القمر، بل إلى اختبار الأنظمة الفضائية أثناء الدوران حوله، تمهيدا لبعثات مستقبلية ستنزل فعليا عليه مثل "أرتميس 3" وما بعدها.

أصبحت العودة إلى سطح القمر هي السياسة الفضائية الرسمية للولايات المتحدة منذ ديسمبر/كانون الأول 2017، عندما وقع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب اتفاقية سياسة الفضاء الأولى، وقد أطلق على خطة وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) لتنفيذ تلك السياسة اسم برنامج "أرتميس". ويتكون البرنامج من مرحلتين: الأولى منهما تتكون من 4 مهمات، فيما لم تكشف ناسا بعد تفاصيل مرحلته الثانية. ويطمح إلى إرسال رواد فضاء إلى سطح القمر مرة أخرى بعد نصف قرن من رحلة أبولو 1972، وأن تطأ أول امرأة سطح القمر، وبناء محطة فضاء صغيرة، وتذليل السبل لإطلاق مهمات بشرية إلى المريخ.

وعرف البرنامج تعديلات عدة على مواعيده، بعضها تحت ضغط اعتبارات سياسية، وبعضها بسبب جائحة كورونا ومشاكل تقنية. يهدف برنامج "أرتميس" إلى تحقيق الأهداف التالية: في يوم الاثنين 13 مايو/أيار 2019، أطلقت ناسا اسم "أرتميس" على برنامجها للعودة إلى القمر. وقال مدير الوكالة جيم بردنشتاين عن الاسم الجديد للبرنامج في تصريح لوسائل الإعلام "فيما يبدو أنّ أبولو كان لديه شقيقة توأم تدعى أرتميس.

وشاءت الصدف أن تكون إلهة القمر"، في إشارة منه إلى الأساطير اليونانية القديمة. وفي الأساطير اليونانية القديمة: أبولو وأرتميس طفلان توأمان لزيوس وليتو. وعندهم أن أبولو إله الشمس فيما أخته أرتميس إلهة القمر، وإلهة الصيد مع رفيقها في الصيد أوريون.

وكتبت المختصة في دراسة الأساطير الإغريقية ماري كلير بوليو، في مقال نشر على موقع "ذا كونفرزيشن" أن اسم المهمة يحمل رمزية عالية، ليس فقط لأن أرتميس كانت إلهة القمر عند اليونانيين والرومان، بل لأنها باتت في العصر الراهن أيقونة نسوية، ويشار إليها مثالا للحرية والاستقلالية والقوة. وتضيف أن "رمزيتها بصفتها إلهة للغابات والصيد، جعلتها أيضا مصدر إلهام للناشطين في حماية البيئة". لم تصل أي امرأة إلى سطح القمر على الرغم من تمكن 12 شخصا من السفر إليه.

ويهدف برنامج "أرتميس" إلى تسجيل سبق أميركي في هذا الصدد. وبلغ عدد النساء اللواتي سافرن إلى الفضاء 64 امرأة من أصل 566 شخصا. وفي ضوء الهدف الطموح لإطلاق هذه المهمة القمرية بحلول عام 2025، انطلقت التكهنات حول من قد تكون أول امرأة تمشي على سطح القمر.

ومن بين رواد الفضاء النشطين والبالغ عددهم 38 في طاقم رواد ناسا، توجد 12 امرأة، إضافة إلى 5 أخريات في الطاقم الذي يخضع للتدريب، ليصبح مجموع رائدات الفضاء المحتمل سفر إحداهن إلى سطح القمر 17 امرأة. العودة إلى القمر كانت مكلفة دائما، لكنّ تقدير ناسا الأول لتكلفة إرسال رواد فضاء إلى سطح القمر مرة أخرى عام 2024 (قبل تعديله) عدّ رخيصا جدا، حسب موقع "ناسا بالعربي". ففي 14 يونيو/حزيران 2019، قدم بريدنستاين أول تقدير له لميزانية تنفيذ برنامج "أرتميس" موضحا أنه "لتحقيق وجود مستدام على سطح القمر، فإننا سنحتاج ما بين 20 و30 مليار دولار".

للمقارنة تم الإعلان عن آخر برنامج لناسا للهبوط على القمر، ألا وهو برنامج "كونستيليشن" الذي لم يُثمر قط، بتكلفة تقدر بـ104 مليارات دولار في عام 2005. وقد كلّف برنامج "أبولو" 25 مليار دولار ولكن ذلك حسب قيمة الدولار في عقد الستينيات من القرن الـ20. وقُدّر أنّ محطة الفضاء الدولية قد كلفت حوالي 100 مليار دولار، بل إنّ تليسكوب هابل الفضائي قد كلف أكثر من 10 مليارات دولار إلى حدود منتصف 2019، لبنائه وإطلاقه وخدماته في المدار.

تتألف المرحلة الأولى من برنامج أرتميس من 4 مهمات هي: أرتميس 1 وأرتميس 2 وأرتميس 3 وأرتميس 4. حددت مهمة "أرتميس 1" في اختبار طيران غير مأهول للصاروخ العملاق وكبسولة طاقم أوريون التابعين لنظام الإطلاق الفضائي "إس إل إس". والنجاح في هذه المهمة يهيئ ذلك الثنائي (الصاروخ والكبسولة) إلى أخذ البشر إلى القمر وإعادتهم إلى الأرض خلال الرحلتين "أرتميس 2″، و"أرتميس 3".

وهدف اختبار الطيران هو التأكد من أداء عدة أنظمة مهمة لنظام الإطلاق الفضائي، ولأوريون، بما فيها الدرع الواقي من الحرارة لكبسولة الطاقم. وتقييم قدرة مركبة أوريون على دعم الطاقم قبل أن تبدأ الكبسولة الفضائية بنقل الروّاد. وشهد موعد إطلاق المهمة الأولى لأرتميس عدة تأجيلات، فقد كان مقررا أن تبدأ في نوفبمبر/تشرين الثاني 2020، لكن أُجّلت إلى أواخر 2021، غير أن الإطلاق الفعلي للمهمة حدث أواخر سنة 2022.

وبحسب الموقع الرسمي لناسا تمت المهمة وفق ما يلي: وخلال المهمة حلقت أوريون مرتين بالقرب من القمر، على مسافة 128.75 كيلومترا من سطحه، في أبعد مسافة لها خلال المهمة. ترتكز هذه المهمة على النجاحات التي تحققت في المهمة الأولى. وهي أول اختبار طيران مأهول لنظام الإطلاق الفضائي، ولأوريون، مقلة البشر حول القمر، دون هبوطهم على سطحه.

الموعد الأصلي لإطلاق المهمة "أرتميس 2" كان في أواخر سنة 2022. وأعلنت وكالة ناسا تعديلا في برنامج المهمة لتؤجل موعد إطلاقها. انطلقت مهمة "أرتميس 2" المأهولة إلى القمر فجر يوم الخميس 2 أبريل/نيسان 2026، في تمام الساعة 01:35 بتوقيت مكة المكرمة، حاملة أربعة رواد فضاء في رحلة مدتها عشرة أيام حول القمر.

من قاعدة كيب كينيدي بولاية فلوريدا الأمريكية، أقلع صاروخ "إس إل إس" (SLS) – أطول صاروخ في تاريخ الفضاء بارتفاع 98 مترا – حاملا على متنه مركبة الفضاء "أوريون" التي تقل الرواد الأربعة وهم الأمريكيون: ريد وايزمان، وفيكتور غلوفر، وكريستينا كوك، والكندي جيريمي هانسن، في رحلة تستغرق دورة كاملة حول القمر، على أن يعودوا إلى الأرض يوم الأحد 12 أبريل/نيسان 2026. وتُعد هذه الرحلة الأولى التي تحمل بشرا إلى القمر منذ آخر بعثة لبرنامج أبولو في 17 ديسمبر/كانون الأول 1972. ولا تهدف المهمة إلى الهبوط على سطح القمر، بل إلى اختبار الأنظمة الفضائية أثناء الدوران حوله، تمهيدا لبعثات مستقبلية ستنزل فعليا على سطح القمر مثل "أرتميس 3" وما بعدها.

وحسب الموقع الرسمي لناسا فالمهمة سوف تتم وفق المعطيات العامة التالية: هذه المهمة هي التي ستضع رائدي فضاء اثنين على سطح القمر بالقرب من قطبه الجنوبي. وستمثل الهبوط المأهول الأول على سطح القمر منذ مهمة "أبولو 17" في ديسمبر/كانون الأول 1972. خلال المهمة سيهبط اثنان من أفراد الطاقم إلى السطح ويقضون ما يقرب من أسبوع بالقرب من القطب الجنوبي للقمر لإجراء بحث علمي جديد قبل العودة إلى المدار القمري للانضمام إلى طاقمهم للعودة إلى الأرض.

كان الموعد الأصلي لهذه المهمة في عام 2024، وأُجل إلى غاية سبتمبر/أيلول 2026. والمعطيات العامة عن هذه المهمة هي: حجم الطاقم: 4 رواد فضاء. الإطلاق: سبتمبر/أيلول 2026. مدة الرحلة: 30 يوما. تمثل "أرتميس 3" واحدة من أكثر المهام الهندسية والبراعة البشرية تعقيدا في تاريخ استكشاف الفضاء السحيق، إذ سيتم استكشاف منطقة القطب الجنوبي القمري.

وستساعد الملاحظات والعينات والبيانات التي جمعها رواد الفضاء على توسيع فهم النظام الشمسي وكوكب الأرض. تمثل نهاية المرحلة الأولى لبرنامج أرتميس، وهدفها الرئيسي هو وضع وحدة السكن "آي-هاب" في مدار حول القمر. ومن المقرر أن يصبح أساس المحطة المدارية "غيتواي"، والتي لن تكون  نقطة وسيطة للهبوط على سطح القمر فحسب، بل سيتم استخدامها أيضا للرحلات الجوية إلى الكواكب الأخرى.

وبينما يظل رائدا فضاء على البوابة ويواصلان تركيب "آي-هاب"، سيتم نقل رائدين من أرتميس إلى نظام هبوط بشري سينفصل عن البوابة ويهبط على القمر. وبذلك ستشهد هذه المهمة ثاني هبوط لرائدي فضاء على سطح القمر، وهو أمر لم يكن مبرمجا من قبل، وأضيف يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول 2022. خلال مدار كامل لمركبتي أوريون وغيتواي، سيُجري الرائدان على سطح القمر بحثا علميا ويعودان إلى غيتواي بعد 6 أيام.

والمعطيات العامة للمهمة الرابعة لبرنامج أرتميس هي: في 2 أبريل/نيسان 2020 تم تقديم خطة جديدة إلى مجلس الفضاء، وهي المجموعة الاستشارية للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب يترأسها نائب الرئيس مايك بنس. يلخص جزء كبير من التقرير -الذي يحمل عنوان "خطة ناسا لتنمية واستكشاف القمر بشكل دائم"- الرؤية التي وضعتها ناسا لتبرير وتحقيق عملية الهبوط على القمر المقررة عام 2024 (قبل تعديل الموعد لاحقا). لكن التقرير يتطلع إلى ما هو أبعد من ذلك، فيركز على ما لوجود طويل المدى على القمر وفي المدار القمري أن يسمح للولايات المتحدة بإنجازه.

وفقا للتقرير، سيكون معسكر قاعدة أرتميس نفسه بمنزلة منشأة قمرية لاستيطان السطح، حيث يستطيع استضافة 4 رواد فضاء في القطب الجنوبي لزيارات قد تستمر لمدة أسبوع، كما يمكن أن تكون القاعدة أيضا موقعا لاختبار تقنيات جديدة للتعامل مع الغبار القمري المزعج والليالي القمرية الطويلة والباردة، وتحويل المواد المحلية إلى موارد مثل المياه، وتطوير تقنيات جديدة للطاقة والبناء. سيرافق ويدعم معسكر قاعدة أرتميس نظامان للتنقل: ويعرض التقرير أيضا خطة لاستخدام محطة متوسطة تدور حول القمر يطلق عليها اسم البوابة كموقع لمحاكاة مهام المريخ. هذه المهام التدريبية قد تتضمن فريقا مكونا من 4 رواد فضاء يعيشون على البوابة لعدة شهور، لمحاكاة مدة الرحلة إلى المريخ، ثم سيزور اثنان من طاقم الهبوط سطح القمر، ثم سيكون هناك إقامة مدارية أخرى طويلة لملء الجدول الزمني للبعثة.

وجاء في التقرير "وستكون هذه البعثات أطول البعثات البشرية للفضاء العميق مدة في التاريخ، وستكون أول اختبارات تشغيلية لمعرفة مدى جاهزية أنظمة الفضاء العميق طويلة المدة، وعمليات انقسام الطاقم التي تعد ضرورية لنهجنا المتبع في تنفيذ أول مهمة بشرية إلى المريخ". لكن الرؤية طويلة المدى لأرتميس تشمل الكثير من العلوم الخاصة بالقمر، إضافة إلى الاستعداد لاستكشاف المريخ.