مجلس الشعب هو السلطة التشريعية في سوريا. يتألف -في صورته الأخيرة- من 210 أعضاء، ينتخب ثلثاهم من قبل لجان ناخبة محلية وفق شروط محددة، بينما يختار رئيس الجمهورية الثلث الأخير. عكس مجلس الشعب السوري طبيعة المراحل والصراعات السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد عبر حقب سياسية مختلفة، إذ بدأت مسيرته بالهيمنة الفرنسية عليه، ومن ثم التعددية والحريات إبان استقلال سوريا، مرورا بالانقلابات العسكرية وهيمنة حكم الحزب الواحد عليه في عهد "حزب البعث".

انتُخب مجلس الشعب الأول بعد سقوط الأسد في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قبل أن يستكمل انتخابه لاحقا في بعض المحافظات التي شهدت أحداثا أمنية منعت من الاقتراع فيها، وفي يوليو/تموز 2026 اختار الرئيس السوري أحمد الشرع الثلث الباقي من أعضاء المجلس، ليتقرر أن يعقد مجلس الشعب الجديد أولى جلساته يوم الاثنين 6 يوليو/تموز 2026، لأداء القسم وانتخاب رئيس له. بدأت الحياة النيابية في سوريا في عهد الدولة العثمانية، عندما شهدت البلاد أول تجربة انتخابية في 20 فبراير/شباط 1877 لتختار -مع لبنان– سبعة نواب يمثلونهما في "مجلس المبعوثين" العثماني، واستمر هذا التمثيل حتى انتهاء الحكم العثماني عام 1918. وبعد انتهاء الحكم العثماني لسوريا ودخول القوات العربية إليها بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، عقدت أول انتخابات نيابية شعبية فيها يوم 19 يونيو/حزيران 1919، وأفرزت "المؤتمر السوري العام" الذي كان يتكون من 85 عضوا جرى اختيارهم وفقا لقانون انتخابي يعود للعهد العثماني، وانقسم إلى درجتين: الأولى انتخبت من الشعب مباشرة، والثانية من النواب.

عقد المؤتمر 3 جلسات رئيسية بين يونيو/حزيران 1919 ويوليو/تموز 1920، وفي هذه الفترة وضعت لجنة الدستور مشروعا من 148 مادة للمملكة السورية العربية، واختارت النظام النيابي الدستوري في حكومة ملكية مدنية نيابية (المادة 1)، مع جعل الحكومة مسؤولة أمام المجلس النيابي (المادة 27). وأعلن المؤتمر في 7 مارس/آذار 1920 استقلال سوريا وتتويج فيصل بن الحسين ملكا عليها، لكن فرنسا احتلتها وألغت "المملكة العربية السورية" والمؤتمر العام في يوليو/تموز من العام نفسه. وفي سبتمبر/أيلول 1920، أصدرت السلطات الفرنسية مراسيم تقسيم سوريا إلى دويلات، وأقيم في كل منها "مجلس تمثيلي"، ثلثاه منتخب، وثلثه معين من فرنسا التي أعطت نفسها الحق في تولي مندوبها السلطة التشريعية وإصدار القوانين دون العودة للمجالس التمثيلية، فضلا عن ضرورة موافقته على قرارات هذه المجالس.

وفي 28 يونيو/حزيران 1922، أعلن المندوب الفرنسي قيام الاتحاد السوري، وأسس مجلسا مكونا من 15 عضوا يمثلون دمشق وحلب واللاذقية، وكانت مدة ولايته عاما واحدا، وأنيط به إقرار الموازنة العامة ومجموعة من القوانين. اندلعت الثورة السورية الكبرى عام 1925 اعتراضا على سياسات فرنسا، ثم جرت انتخابات الجمعية الدستورية في أبريل/نيسان 1928 المكونة من 68 نائبا، والتي وضعت دستورا للبلاد قبل أن يعلن المندوب الفرنسي حلها في 5 فبراير/شباط 1929. وأقرّت المادة 30 من دستور 1930 استحداث مجلس النواب، وهو مجلس منتخب بشكل مباشر مدة ولايته 5 سنوات، وتراوح عدد النواب فيه منذ إقرار الدستور حتى إلغائه عام 1949 بين 68 و136 عضوا.

في ديسمبر/كانون الأول 1931، جرت أول انتخابات نيابية في سوريا، وأفرزت برلمانا مكونا من 70 عضوا على أساس مذهبي ومناطقي، من بينهم 52 نائبا سنيا و14 نائبا من مختلف الأقليات الأخرى. ونجح مجلس النواب في عقد أولى جلساته في يونيو/حزيران 1932، وانتخب محمد علي العابد أول رئيس للجمهورية. وفي 5 فبراير/شباط 1929، قرر المندوب الفرنسي تعليق عمل المجلس بعد رفضه المصادقة على معاهدة "الصداقة والتحالف مع فرنسا" نظرا لمساسها "بحقوق السوريين".

وفي 21 ديسمبر/كانون الأول 1936، بعد توقيع المعاهدة الفرنسية السورية، جرت انتخابات مجلس النواب وفازت الكتلة الوطنية بأغلبية المقاعد، وانتخب هاشم الأتاسي لرئاسة البلاد، وصادق المجلس على معاهدة الاستقلال. وفي عام 1939، استقال رئيس الجمهورية وعُلّق العمل بالدستور وحلّ مجلس الشعب بعد احتجاجات واسعة شهدتها سوريا. وبعد ذلك بأربعة أعوام، أجريت في 1943 انتخابات أفضت لفوز الكتلة الوطنية بغالبية المقاعد، وإيصال شكري القوتلي لرئاسة البلاد.

وفي 29 مايو/أيار 1945، رفض حرس المجلس أداء تحية العلم الفرنسي، فاقتحمه الجنود الفرنسيون وعاثوا فيه فسادا وقتلوا 400 سوري، من بينهم 28 من حراس مجلس الشعب. وفي 17 أبريل/نيسان 1946، حصلت سوريا على استقلالها من فرنسا بعد انتفاضة عارمة توّجت بجلاء القوات الفرنسية، وبعدها بعام شهدت سوريا أول انتخابات برلمانية حرة، لكن بعد انقلاب حسني الزعيم عام 1949 حُل مجلس الشعب وأُلغي العمل بالدستور. في العام التالي، منح الدستور الجديد مجلس الشعب صلاحيات واسعة، قبل أن يحله أديب الشيشكلي عام 1951 ويجري انتخابات عام 1953.

وبعد سقوطه عام 1954، استعيد العمل بدستور 1950. بعد سقوط حكم الشيشكلي عام 1954، جرت انتخابات نيابية عززت من قدرة مجلس الشعب على الرقابة على أداء الحكومة، وضبط العلاقة مع الجيش، فضلا عن إقرار قوانين إصلاحية نظمت الحياة السياسية والاجتماعية. وأثناء الوحدة بين سوريا ومصر (1958-1961) تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة، ألغي مجلس الشعب السوري ودمج مع البرلمان المصري ضمن "مجلس الأمة" للجمهورية العربية المتحدة.

لكن سرعان ما انهارت الوحدة بعد انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1961، وأعيد مجلس الشعب السوري إلى الحياة السياسية، لكن بشكل ضعيف، واستمر في العمل بهذا الشكل حتى حله في انقلاب ثان تبناه حزب الشعب نفسه في مارس/آذار 1963، وظلت البلاد تدار عبر المراسيم العسكرية 8 سنوات. عام 1970، وصل حافظ الأسد للسلطة بعد انقلاب عسكري، وفي مطلع يناير/كانون الثاني 1971 أعلن تشكيل مجلس الشعب وعين نوابه بقرار منه، وفي 13 مارس/آذار 1973، أقرّ دستور نص على تشكيل مجلس الشعب مؤسسة تشريعية للبلاد. لاحقا، كرس الأسد سيطرته على الجبهة الوطنية التقدمية، وجرت انتخابات شكلية افتقرت إلى التنافس الحقيقي والشفافية، وفازت فيها الجبهة وظلت تفوز بجميع الانتخابات التي شهدتها البلاد بعد ذلك التاريخ إلى أن سقط الأسد.

في تلك الفترة تحول المجلس إلى أداة بيد الأسد وحزب البعث العربي الاشتراكي والنافذين في نظام حكمه، فاقدا لأي دور تمثيلي حقيقي من الشعب. ومما يشهد على ذلك أن الدستور السوري كان ينص في المادة (83) منه على أن سن رئيس الجمهورية يجب أن لا تقلّ عن 40 عاما، لكن المجلس اجتمع بعد وفاة حافظ الأسد في 10 يونيو/حزيران 2000، وعدّل هذه المادة في ثوان لتنص على أن الحد الأدنى لسن الرئيس هي 34 سنة، وهي سن بشار الأسد في ذلك الوقت. واستمر المجلس على حاله بعد اندلاع الثورة ضد حكم بشار الأسد يوم 15 مارس/آذار 2011، بالرغم من أن دستور 2012 أعطى المجلس صلاحيات إضافية، لكنها لم تطبق على أرض الواقع، ومن أبرزها: عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلنت الإدارة السورية الجديدة يوم 29 يناير/كانون الثاني 2025 إلغاء العمل بالدستور، وحلّ مجلس شعب نظام الأسد.

وفي 13 مارس/آذار 2025، وقّع رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع إعلانا دستوريا حدد مدة المرحلة الانتقالية في البلاد، بما فيها مجلس الشعب، فقد حدد الباب الثالث في الإعلان نظام السلطة التشريعية في المرحلة الانتقالية، ونص على أن مجلس الشعب هو الذي يمارس السلطة التشريعية في سوريا. ووفق الإعلان، يشكّل رئيس الجمهورية أحمد الشرع لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب، تشرف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، وتنتخب ثلثي أعضاء مجلس الشعب، في حين يعين رئيس الجمهورية الثلث الأخير من أعضاء مجلس الشعب لضمان التمثيل العادل والكفاءة. وحدد الإعلان الدستوري الذي صادق عليه الرئيس الشرع نظام مجلس الشعب السوري وفق ما يأتي: كما حدد الإعلان مهام المجلس في ما يأتي: في 13 يونيو/حزيران 2025، أعلن الرئيس الشرع تشكيل اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، وشُكلت لجان فرعية أشرفت على تحديد آلية الترشح والانتخاب، وكانت الكفاءات وأصحاب التخصصات المتنوعة تمثل 70% من الهيئات الناخبة، مقابل 30% من الأعيان والوجهاء الذين يمثلون شرائح اجتماعية واسعة.

وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، جرت أول انتخابات لمجلس الشعب بعد سقوط نظام بشار الأسد في عموم المحافظات السورية ما عدا السويداء (جنوب) والرقة والحسكة (شمال شرق) التي تأجل الاقتراع فيها بسبب التحديات الأمنية، قبل أن تجرى لاحقا في الرقة والحسكة، وتبقى ثلاثة مقاعد شاغرة بانتظار إجراء الانتخابات في السويداء. وجرى الانتخابات بآلية مغايرة لما اعتاده السوريون في العقود السابقة، فبدلا من تصويت عموم الناس في صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم، اعتُمد نظام يقوم على تشكيل لجان ناخبة محلية في كل منطقة، بحيث تتولى هذه اللجان -التي يفترض أن تضمّ وجوها من مختلف المكونات- اختيار ممثلي المحافظة بعد أن يتقدم المرشحون بطلبات الترشح، ويشترط أن يكون المرشحون أنفسهم من أعضاء هذه اللجان. وتكوّن المجلس الجديد من 210 أعضاء، منهم 140 يجري انتخابهم، بينما يعين الثلث المتبقي بمرسوم من رئيس الجمهورية.

وفي الأول من يوليو/تموز 2026، أعلن رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد، أسماء قائمة الرئيس السوري أحمد الشرع المكملة لأعضاء مجلس الشعب، والتي تضم 70 عضوا، وضمّت 55 رجلا و15 امرأة، بينهم 5 من ذوي الاحتياجات الخاصة، و13 معتقلا سابقا. ودعا الأحمد إلى انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب يوم الاثنين 6 يوليو/تموز 2026، وذلك لأداء القسم وانتخاب رئيس المجلس.