على غير العادة، لم تمضِ أحداث القمة الأفريقية الفرنسية الأخيرة وفق ما خطَّط الرئيس إيمانويل ماكرون، فالمؤتمر الذي استضافته مدينة "مونبلييه" في جنوب فرنسا قبل أربعة أشهر، وقرَّرت باريس خلاله عمدا، لأول مرة، استبعاد رؤساء الدول الأفريقية، واستبدالهم لصالح ألف شاب أفريقي في مغامرة غير مسبوقة لم تُراعِ البرتوكولات، لم تأتِ مخرجاته على هوى ساكن الإليزيه، فالضيوف الأفارقة الذين تحرَّر جُلهم من السترات الرسمية وربطات العنق التقليدية أقاموا ما بدا بأنه محاكمة علنية للرئيس الفرنسي، وانهالوا عليه باتهامات شملت "الغطرسة" و"العنصرية" و"الاستعمار"، كما طالبوه بالاعتذار لأفريقيا عن جرائم الاحتلال الفرنسي، والتوقُّف عن دعم الرؤساء الدكتاتوريين في القارة، وإخلاء بلادهم للأبد من القواعد العسكرية الفرنسية. أمام تلك المفاجأة، راح "ماكرون" يحدق ببصره في الحضور، ثم أنزل ساقه المعقودة فوق أخرى، وانتفض بجسمه كله واقفا، وهو يميل برأسه صعودا وهبوطا، كأنه يستجمع شتات نفسه أمام كلمات قاسية لم يتوقَّعها، وبينما كان من المفترض أن تؤسِّس تلك القمة لعهد جديد من العلاقات المستقبلية، رسم الحضور لوحة بحجم جدار سميك سيصبح عما قريب سدا منيعا بين فرنسا وأفريقيا، وأثبتوا أنه لم يعد بإمكان باريس، بعد أن صنعت أغلب الماضي القريب لدول شمال وغرب أفريقيا، أن تظل محتفظة بزمام الحاضر والمستقبل. فاليوم، تنتكس سياسات فرنسا في ليبيا ومالي، وتعاني تبعات سوء إدارتها للعلاقات مع الجزائر، كما لم تعد محل ترحيب في غرب أفريقيا، في ظل تمدُّد قوى أخرى -بينها روسيا والصين وتركيا- توغَّلت في مستعمراتها القديمة، وباتت لها اليد العليا في أمور الجيش والسياسة والاقتصاد، وهو الزحام الذي خلق اعتقادا جديدا لدى النخبة الأفريقية الحاكمة بأن مصيرها لم يعد مُعلَّقا في يد باريس كما كان سابقا.

في بقعة منسية شاسعة بعيدة عن اهتمامات العالم في قلب أفريقيا وصولا إلى شمالها الغربي، ترتسم خريطة المستعمرات الفرنسية القديمة التي لا تزال حتى اليوم شاهد