كانت الساعة تُشير إلى الخامسة والنصف صباحا بتوقيت موسكو، عندما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطاب متلفز عن بداية "عملية عسكرية خاصة"، وضعت حدًّا للترقُّب الكبير الذي كان يعيشه العالم بسبب الأزمة الروسية الغربية التي تتخذ من أرض أوكرانيا مضمارا لها. اختار الرئيس الروسي كلماته بعناية كبيرة، عملية خاصة وليست حربا، كلمة الحرب وإن كانت ستُفزع الأوكرانيين أكثر، فإن وقعها لم يكن ليبدو أقل حِدَّة بالنسبة للشعب الروسي الذي يخشى من خوض بلاده في خضم مستنقعات عسكرية أخرى. لم تتأخر كلمات بوتين كثيرا حتى تُترجم على أرض الواقع، ساعات قليلة وبدأت أجراس الإنذار تدوي في كل مكان في أوكرانيا التي كانت تتعرَّض لقصف جوي عنيف، واجتياح بري انطلاقا من عدد من النقاط الحدودية التي تفصل بين البلدين الجارين، لم تكن هذه الأجراس تُعلِن عن مواجهة مسلحة بين أوكرانيا وروسيا فحسب، بل كانت تؤذن أيضا بتغييرات مهمة ستعيشها أوروبا التي كانت بعيدة عن نيران الحروب الكبرى فعليا فترة طويلة.

يختلف المراقبون حول تأريخ آخر حرب عرفتها أوروبا، يذهب بعضهم إلى أنها الحرب العالمية الثانية عندما أشعل هتلر فتيل المجازر بين الدول الأوروبية في حرب بدأت محلية لكنها سرعان ما وجدت طريقها للعالمية، فيما يرى فريق آخر أن آخر هذه الحروب كانت حينما تدخَّلت دول "الناتو" ضد يوغوسلافيا سنة 1991، وعلى كل حال يتفق الطرفان على أن هذه المرة الأولى التي تشتعل فيها الحرب داخل أوروبا في القرن الحادي والعشرين، وهي المرة الأولى كذلك التي تغزو فيها روسيا (سواء بتسميتها الحالية أو في عهد الاتحاد السوفيتي) بلدا أوروبيا مثلها غزوا كاملا (يمكننا استثناء العمليات العسكرية المحدودة في جورجيا وشبه جزيرة القرم الأوكرانية عامَيْ 2008 و2014 لأنها لم تكن غزوا عسكريا شاملا). أعادت الحرب الأوكرانية الروسية إلى الأذهان تلك الحرب البادرة التي عرفها العالم القرن الماضي بين الولايات المتحدة الأميركية، قائد العالم الرأسمالي الليبرالي، وإمبراطورية الاتحاد ال