شهد القضاء التونسي تحوّلات جوهرية عقب الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي عام 2011، إذ نصّ دستور 2014 على مبدأ استقلالية السلطة القضائية باعتباره أحد أعمدة النظام الديمقراطي. وبهذا الإطار، أُنشئ المجلس الأعلى للقضاء باعتباره هيئة دستورية مستقلة تتولى الإشراف على الشأن القضائي، بما في ذلك تعيين القضاة وترقيتهم. غير أن العلاقة بين السلطة القضائية والتنفيذية شهدت تغيّرا ملموسا مع تولي الرئيس التونسي قيس سعيّد مقاليد الحكم في أكتوبر/تشرين الأول 2019، وبلغ هذا التغيّر ذروته عقب إعلانه التدابير الاستثنائية في 25 يوليو/تموز 2021، والتي شملت تجميد أعمال البرلمان وإقالة الحكومة ورفع الحصانة عن النواب، مستندا للمادة 80 من الدستور رغم غياب المحكمة الدستورية التي يُفترض أن تراقب مدى دستورية هذه الإجراءات.
وكان القضاء من أبرز المؤسسات المتأثرة بهذه التحوّلات، وسط تبادل للاتهامات بين مؤسسة الرئاسة ونقابات القضاة بشأن قضايا تتعلق بالاستقلالية والفساد والولاءات السياسية. في 30 ديسمبر/كانون الأول 2021، دعا الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى ضرورة إصلاح المنظومة القضائية، مشيرا إلى أن القانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء أُعد بتأثير جهات وصفها بأنها "غير مختصة". وتواصلت انتقادات الرئيس للمؤسسة القضائية، متهما إياها بفقدان الاستقلالية، وبالوقوع في مستنقع الفساد والتسييس، مما يعيق -بحسب رأيه- تحقيق العدالة.
وفي هذا السياق، أصدر سعيد مرسوما رئاسيا في 19 يناير/كانون الثاني 2022 ألغى بموجبه المنح والامتيازات الممنوحة لأعضاء المجلس الأعلى للقضاء، مبرّرا قراره بعدم قيام المجلس بدوره كما ينبغي، وبأن بعض أعضائه يتكتمون على قضايا تتعلق بالإرهاب والفساد. وقد قوبلت هذه الإجراءات برفض واسع من القضاة الذين اعتبروها انتهاكا صارخا لاستقلال السلطة القضائية، ومحاولة لتوظيفها سياسيا. وفي المقابل، دافعت مؤسسة الرئاسة عن الخطوات المتخذة، معتبرة إياها جزءا من جهود إصلاح القضاء وتطهيره من نفوذ السياسة


AJ+ Français
الجزيرة نت - يوتيوب