لم يستغرق حُلم السيطرة على أفغانستان سوى عشرة أيام، نجحت خلالها حركة طالبان، التي نشأ رجالها بين الجبال وتمرَّسوا في الحروب ورابطوا على خطوط النيران عقدين كاملين، في استعادة السلطة في البلاد من جديد بعد أن حكموها سابقا لخمس سنوات بين عامَيْ 1996-2001. وفيما يبدو، انتهى الغزو الأميركي حيث بدأ قبل عشرين عاما، ودخلت طالبان القصر الرئاسي في كابول رافعة سلاحها ورايتها، بعد أن سيطرت على أرجاء البلاد كافة، وبعد أن استطاع مقاتلوها الاستحواذ على جميع المعابر الحدودية مع دول الجوار، ومن ثمَّ لم يعُد بمقدور أحد أن يغادر أفغانستان إلا عبر مطار كابول. بيد أن قصة الانتصار لم تكتمل، فلم تسقط بعد ولاية أفغانية وحيدة في يد طالبان وهي بنجشير، التي تبعد عن كابول مئة كيلومتر تقريبا، ولم تستهدفها الحركة البتة في خضم حملتها العسكرية للسيطرة على البلاد لأسباب وجيهة.

لقد استعصت بنجشير على الخضوع لطالبان باستمرار، حتى أثناء حُكم الحركة في منتصف التسعينيات، وفي الوقت الذي اعترف فيه الجميع ضمنيا في الداخل والخارج بالحُكام الجدد لأفغانستان، كتب قائد الإقليم أحمد مسعود في صحيفة "واشنطن بوست" قائلا: "أكتب اليوم من وادي بنجشير، مستعدا لاقتفاء خُطى والدي، مع المقاتلين المجاهدين المستعدين لمواجهة طالبان مرة أخرى، وفي حوزتنا مخازن ذخيرة وأسلحة جمعناها بصبر، لأننا علمنا أن هذا اليوم قد يأتي". "إذا كانت أفغانستان هي مقبرة الإمبراطوريات، فإن وادي بنجشير هو قلب تلك المقبرة". (المراسل الحربي لصحيفة "التايمز" البريطانية) تقع ولاية بنجشير في شرق أفغانستان لتُحيط بوادي ونهر بنجشير المُتاخم لجبال الهندوكوش في واحدة من أكثر المناطق وعورة في العالم، وعاصمة الولاية هي "بازارَك" الواقعة على ارتفاع ألفَيْ متر تقريبا.

وينتمي أغلب سكان الوادي إلى المذهب السُّني وإلى إثنية "الطاجيك" (السائدة في جارتهم اللصيقة طاجيكستان أيضا)، ويتحدَّث أهلها لغة "الدَري"، التي يَعُدُّها الدستور الأفغاني لغة رسمية مثلها مثل البشتونية. ويبلغ