شهدت سوريا على مدار تاريخها الحديث تحولات دستورية متكررة، تعكس طبيعة الصراعات السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد. فمنذ إعلان استقلال المملكة السورية العربية عام 1920، وحتى دستور 2012، تنوعت المحاولات الدستورية بين مساع لترسيخ الحكم الدستوري الديمقراطي، ومحاولات أخرى لتعزيز السلطة المطلقة والهيمنة الحزبية. في هذا السياق، تستعرض هذه المادة مسيرة الدساتير السورية منذ عام 1920 وحتى اليوم، مسلطة الضوء على أبرز بنودها، والظروف السياسية التي أحاطت بها، وتأثيرها على المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد.

عقب انهيار الدولة العثمانية، أعلن فيصل بن الحسين، قائد الجيوش العربية الشمالية في قوات الحلفاء الأوروبيين، عن تشكيل حكومة مستقلة في دمشق باسم والده الشريف حسين في أكتوبر/تشرين الأول 1918، وشملت جميع الأراضي السورية. رغب فيصل في تنظيم البلاد دستوريا، فدعا السوريين إلى عقد مؤتمر يمثل الأراضي السورية، وتم انتخاب أعضاء المؤتمر عام 1919 وفقا للقانون الانتخابي العثماني المكون من درجتين: الأولى من الشعب مباشرة، والثانية من النواب. وكانت هذه الانتخابات أول انتخابات نيابية شعبية في تاريخ سوريا الحديثة، وتحول المؤتمر السوري إلى مجلس نيابي بعد الانتداب.

عقد المؤتمر 3 جلسات رئيسية بين يونيو/حزيران 1919 ويوليو/تموز 1920، وفي هذه الفترة وضعت لجنة الدستور مشروعا من 148 مادة للمملكة السورية العربية، واختارت النظام النيابي الدستوري في حكومة ملكية مدنية نيابية (المادة 1)، مع جعل الحكومة مسؤولة أمام المجلس النيابي (المادة 27). وفي 10 مارس/آذار 1920 انتخب مجلس النواب هاشم الأتاسي رئيسا للجنة صياغة الدستور السوري الأول، الذي اعترف بمُلك الأمير فيصل وأولاده على أراضي سوريا، ونص على ضرورة عودة الملك إلى مجلس النواب قبل اتخاذ أي قرار يخص البلاد في حالتي السلم والحرب. وكان مشروع الدستور يقيد الملكية، ويُوزع السلطة التشريعية على مجلسين: النواب والشيوخ، مع اقتباس هذه الفكرة من النظم الملكية الدستورية ا