ترك الانسحاب الأميركي السريع من أفغانستان كلًّا من الروس والصينيين والإيرانيين وغيرهم في موقع مُواتٍ للتأثير على مجريات الأمور في البلاد، وبعد سنوات من الحرب بين واشنطن وطالبان، تجد هذه القوى، المناوئة للولايات المتحدة في المقام الأول، نفسها في موقع جيد للتفاوض مع حركة طالبان، الحاكم الجديد للبلاد، للحفاظ على مصالحها. من جانبها، تمتلك موسكو إرثا متشابكا من المصالح والمخاوف في أفغانستان. وفي الوقت الراهن، تتصدَّر مسألة إمكانية تصدير التطرُّف من الأراضي الأفغانية إلى الفضاء السوفيتي السابق في آسيا الوسطى ومنه إلى روسيا جدول أعمال روسيا، لا سيما مع عدم وضوح الشبكات الإسلامية المسلحة التي تتحالف معها طالبان، ناهيك بالشكوك حول قدرة الحركة على وقف تمدُّد تنظيم الدولة الإسلامية والقضاء عليه.

أضف إلى ذلك خطورة تدفُّق أعداد كبيرة من اللاجئين بطول آسيا الوسطى وعرضها بُغية الوصول إلى موسكو، وتفشي تجارة المخدرات من أفغانستان، لا سيما أن سياسة طالبان تجاه زراعة الأفيون وتجارته غير واضحة حتى الآن، وهي تجارة ترغب شتى الأطراف الإقليمية في دحرها بكفاءة على غرار ما فعلته طالبان نفسها خلال فترة حكمها الأولى قبل 20 عاما. قبل نحو ثلاثة عقود، أخلى الاتحاد السوفيتي آخر دباباته من أفغانستان، ومع ذلك لم تنتهِ علاقات روسيا مع هذا البلد البعيد نسبيا حتى اليوم. ففي التسعينيات تحديدا، ركَّزت موسكو على دعم "تحالف الشمال" المناهض لطالبان، ووصلت الأمور إلى حد تسليمه أسلحة لقتال الحركة رُغم مشاركة التحالف نفسه في قيادة القتال ضد السوفييت.

ثم بعد عام 2001، حين سقطت كابول في يد القوات الأفغانية التي دعمها الناتو، لم يكتفِ الروس بالترحيب بسقوط طالبان، بل وفتحوا مجالهم الجوي وسككهم الحديدية لتزويد القوات الغربية بالدعم في قتالها ضد الحركة، ساعين بذلك للاستفادة من موجة الحرب على الإرهاب لخدمة مصالحهم. مع مرور الوقت، ارتفع توتر العلاقات بين الغرب وروسيا مجددا، وتراجع التهديد من شمال القوقاز، وترسَّخ بقاء الخصم