حرب داخلية لبنانية طاحنة، استمرت 15 عاما وبلغت خسائرها البشرية نحو 150 ألف قتيل. وُصفت بأنها "حرب الآخرين على أرض لبنان"، وانتهت بوضع ركائز النظام السياسي اللبناني الحالي، وبتسويات إقليمية. لم تندلع الحرب الأهلية اللبنانية فجأة وإنما سبقتها أزمات بنيوية وأسباب متصلة بموقع لبنان الإقليمي وتحوله إلى ساحة صراع.

ويُمكن إيجاز هذه الأسباب في وجود عوامل اقتصادية اجتماعية طبقية ناتجة عن انتشار الفقر والعوز، وعوامل سياسية طائفية يجسدها انقسام بين مطالب المسلمين والمسيحيين، وعوامل خارجية محورها قضية المقاومة الفلسطينية والكفاح المسلح وخطر التوطين. اندلعت الشرارة الحقيقية للحرب يوم 13 أبريل/نيسان 1975 عندما أطلق مجهولون -في حادث غامض- نارا أودت بحياة عنصرين من الكتائب في عين الرمانة بضواحي بيروت، كان أحدهما يعمل مرافقا لرئيس الحزب بيار جميل. وردا على ذلك، أطلقت مليشيات حزب الكتائب النار على حافلة كانت تقل فلسطينيين أثناء عودتهم إلى مخيم تل الزعتر من مهرجان سياسي في مخيم شاتيلا غربي بيروت، أقامته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة، ما أدى إلى مقتل 27 فلسطينيا من ركاب الحافلة.

ومع انتشار هذا الخبر الذي عُرف بـ"حادثة البوسطة"، اندلعت الاشتباكات بين المليشيات الفلسطينية والكتائبية في أنحاء المدينة. وفي 6 ديسمبر/كانون الأول، عُثر على 4 جثامين لأعضاء من حزب الكتائب في بيروت، فقتلت المليشيات المسيحية المئات من الفلسطينيين واللبنانيين المسلمين بناء على بطاقات الهوية (التي كانت آنذاك تُدّون مذهب حاملها) فيما عرف لاحقا بـ"السبت الأسود". وفي 18 يناير/كانون الثاني 1976، اقتحمت المليشيات المسيحية منطقة الكرنتينا ذات الأغلبية المسلمة -وكان يسكنها أكراد وسوريون وفلسطينيون- فقتلت حوالي 1500 منهم، وردت المليشيات الفلسطينية بقتل مئات المسيحيين في منطقة الدامور.

أدت هاتان الحادثتان إلى هجرة جماعية للمسلمين والمسيحيين. وانقسمت بيروت إلى منطقتين عرفتا بـ"المنطقة الشرقية" وأغلب سكانها مسيحيون لك