ثورة 1919 اندلعت شرارتها الأولى عقب نفي سعد زغلول ورفاقه إلى مالطة، لكنّ وراءها أسبابا كثيرة دفعت المصريين إلى الخروج للتظاهر، وعلى رأسها المطالبة باستقلال مصر وإلغاء الحماية البريطانية، واستطاع الثوار تحقيق مطالبهم ونيل استقلال بلادهم عام 1922، وإصدار أول دستور مصري عام 1923. يبدو السبب الرئيسي الظاهر لاندلاع ثورة 1919 -الذي دفع إلى خروج الجماهير من عامة الشعب بكل طوائفه للتظاهر ضد الاحتلال البريطاني على مصر- هو نفي سلطات الحماية زعيم الحركة الوطنية سعد زغلول و3 من رفاقه إلى جزيرة مالطة. لكن بالعودة إلى الوراء نجد أن هناك أسبابا عديدة ومتراكمة دفعت بخروج المصريين للتظاهر يوم 9 مارس/آذار 1919.

فقد عانت مصر منذ بداية خضوعها للاحتلال البريطاني في سبتمبر/أيلول 1882، لكن وضع الاحتلال ظلّ غير مستقر بسبب بقاء تبعيتها الرسمية والقانونية للدولة العثمانية. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 دخلت تركيا الحرب بجانب ألمانيا والنمسا ضد إنجلترا وفرنسا، وتورطت مصر بشكل كبير في الحرب، وفُرض عليها عدم التعامل مع ألمانيا ورعاياها، وحظر السفن المصرية من التواصل مع الموانئ الألمانية، وفي المقابل منحت إنجلترا لنفسها الحق في توظيف الأراضي والمياه المصرية لصالحها أثناء الحرب. وفي 18 ديسمبر/كانون الأول 1914 أعلنت إنجلترا فرض الحماية على مصر، وإنهاء تبعيتها للدولة العثمانية، ومنذ ذلك الحين واجهت مصر الشدائد.

أعلن الاحتلال البريطاني الأحكام العرفية على مصر، وفرض الرقابة على الصحف، وعطّل الجمعية التشريعية، وأصدر قوانين تجرّم الإضرابات والمظاهرات، وفرض نظام "السلطنة" بعد عزل الخديوي عباس حلمي الثاني وتعيين السلطان حسين كامل لحكم مصر تحت سيطرة الاحتلال. وفرض على المصريين دفع فاتورة الحرب، بمصادرة المحاصيل الزراعية والمواشي، وإجبارهم على زراعة المحاصيل التي تخدم احتياجات الحرب، وجنّد مئات الآلاف من الفلاحين المصريين قسريا، للمشاركة في الأعمال المساندة خلف صفوف القتال الأمامية تحت مسمى "فرق العم