"الآلهة القديمة هَرِمَت وماتت.. ولو استطاعَت العَيش فإنّها لن تستطيع مُزاحمة الآلهة الجديدة". (إميل دوركهايم)(1) منذ عصر التنوير، أو ما يُعرف بعصر انتصار العقل، وفلاسفة كُثر ظلّوا يُبشِّرون بنهاية الأديان وانهيارها للأبد بوصفها سحرا وخرافة بالية عفا عليها الزمان، وإيذانا بحقبة بشرية جديدة يتسيّد فيها العقل وحده، مُترَبِّعا على عرشِ أدواته المعرفية: العِلم ولا شيء غير العلم.

ظهرت هذه الأفكار عبر صيحات عديدة أعلنها مُفكّرون وفلاسفة، مثل "موت الإله"، وأُفول التديّن، وذلك بالتزامن مع الثورة العلمية والصناعية، وتفكُّك البُنى الاجتماعية التقليدية لصالح الفردانية (أي إن مصالح الفرد مسألة يجب أن تتحقق فوق اعتبارات الدولة والجماعات) يُعزِّزها نشأة المُدُن الحديثة، حيث الغرباء يتجاورون ولكنّهم يملكون حقّ الاختلاء والوَحدة دون أيّ إملاءات تقليدية أو قِيَميَّة أخرى. لكن كما ظهر حتى يومنا هذا الذي نعيشه، فإن الخبرة والمُمارسة البشرية كان لها رأي آخر، إذ شهدت العصور اللاحقة للتنوير بصيغته الأوروبية انتعاشا جيّدا وحيويا لحركات دينية كثيرة، عادت للظهور في ظلّ الشروط الجديدة للعالَم وتكيّفت بشكل جيّد مع المناخ الحَدَاثي للمجتمعات والمُدُن الحديثة، إذ يبدو أنّ اعتناق النّاس للدّين مسألة تتجاوز إلى حدٍّ بعيد مُجرّد اقتصارها على كونها تُعطي تفسيرا لوجودنا كما تدّعي الصيغة التنويرية للتقدُّم، والتي تربط بين اعتناق النّاس للدّين من جهة، وبين جهلهم وعدم تطوُّر علومهم من جهة أخرى، وذلك لحاجتهم إلى إجابات تفسيرية للظواهر الكَونية. هذه المُفارقة بين توقُّعات الباحثين النظريّة وبين وما جرى على الأرض عمليا وصفها الفيلسوف كِن والبر بقوله: "لطالما توقَّع عُلماء الاجتماع أنّ الحداثة سوف تجرف جميع الطوائف الدينية، لاعتقادهم أنّها مُؤسّسة على خُرافات بدائيّة ما قبل حَداثيّة، ولكن لا يزال العالَم طافحا بحركات دينية تأبى الزوال". وتُشير كارين آرمسترونغ إلى مُلاحظة والبر نفسها في سياق مُتّصل بقولها: "بالرغم