يقصد بالقانون الدولي الإنساني مجموعة القواعد والضوابط التي تهدف إلى الحد من تأثير النزاعات المسلحة، وحماية الذين لا يُشاركون في المعارك مثل المدنيين أو من لم يعودوا طرفا في القتال مثل الجنود المصابين، كما يرمي إلى الحد من الوسائل المستخدمة في الصراع أملا في التخفيف من الخسائر البشرية و المادية المترتبة عليه. يُعدّ القانون الدولي الإنساني فرعا من فروع القانون الدولي العام، الذي يقوم أساسا على المعاهدات الدولية والقانون الدولي العرفي، إلى جانب المبادئ العامة للقانون، كما هو منصوص عليه في المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. ويقتضي الأمر التمييز بين القانون الدولي الإنساني الذي ينظم سلوك أطراف النزاع أثناء الحروب، وبين قواعد القانون الدولي العام التي يكرّسها ميثاق الأمم المتحدة التي تحدد مدى مشروعية لجوء الدول إلى استخدام القوة المسلحة.

ويحظر الميثاق استخدام القوة في العلاقات الدولية، مع إقرار استثنائين رئيسيين: حق الدول في الدفاع عن النفس في حال التعرض لهجوم مسلح، وإمكانية تفويض مجلس الأمن باستخدام القوة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين. وفي المقابل، لا يهتم القانون الدولي الإنساني بتقييم مشروعية اندلاع النزاع أو أسبابه، بل يركّز على تنظيم سلوك أطرافه بمجرد وقوعه، بهدف الحد من آثاره الإنسانية. تبلور القانون الدولي الإنساني في سياق تحولات عميقة شهدها القرن التاسع عشر، لكنه ارتبط بشكل مباشر بصدمة إنسانية أحدثتها معركة سلفرينو عام 1859 التي دارت بين قوات نابليون الثالث والجيش النمساوي.

في أعقاب هذه المعركة، صُدم رجل الأعمال السويسري هنري دونان من هول المعاناة التي أحدثها القتال، إذ تُرك آلاف الجرحى دون إسعاف أو رعاية، مما دفعه إلى التحرك ميدانيا، فبادر مع سكان المنطقة إلى إسعاف الجرحى دون تمييز بين الجنود، في خطوة إنسانية غير مسبوقة في زمن كانت فيه رعاية الجرحى محصورة بالانتماء العسكري. ولم يكتف بذلك، بل وثّق مشاهداته في كتابه الشهير "ذكريات من سلفرينو" الذي صدر ع