بينما كان يرمي بعينيه يمنة ويسرة يراقب قائمة العناصر الكيميائية وأوزانها الذرّية، لاحظ شيئا مثيرا للاهتمام، إذ ظهرت بعض الخصائص المتشابهة تتكرر في العناصر على فترات عددية منتظمة، فيظهر نمطٌ معيّن، ولكن سرعان ما يتلاشى. لقد بدا أنّ ثمّة شيئا ما يقف وراء هذه الأحجية الكيميائية، لكن ما هو؟ كان عالم الكيمياء الروسي ديمتري مندلييف على يقين بأنّه يقف على شفا إنجاز عظيم، فلا بد أنّ هناك نمطا غير اعتيادي يربط بين هذه العناصر التي تشكّل كل المادة حوله.

لقد كان يوما طويلا حتى شعر بالإعياء إثر فرط التفكير، فاستسلم أخيرا وأراح رأسه الأشعث على ذراعيه ونام، وحينها فقط رأى حُلما قلب الموازين. لقد كان الحلم الذي غيّر مجرى علم الكيمياء وقلبه رأسا على عقب، وفتح آفاقا جديدة لرؤية العالم من حولنا، ومهّد لاكتشاف المزيد من العناصر الكيميائية بل وحتى التنبؤ بها، وقد كتب مندلييف بنفسه معقبا على الحلم الذي رآه في مذكراته قائلا: "رأيت في المنام طاولة تسقط فيها جميع العناصر في أماكنها الصحيحة كما يجب، وحالما استيقظت كتبت على الفور على ورقة ما قد رأيته". لقد اهتدى مندلييف إلى رؤية النمط الصحيح الذي يربط بين العناصر ويجعلها في جدول محكم لترسم الملامح الأولى لما هو عليه الجدول الدوري اليوم، وقد بات هذا الجدول الركيزة الأساسية لدارسي الكيمياء الذي يلخّص علما كاملا في 100 مربع تقريبا تحتوي على رموز وأرقام.

وتوافق بداية شهر مارس/آذار من كل عام ذكرى تأسيس الجدول الدوري الذي غيّر معالم الكيمياء إلى الأبد، وفتح آفاقا جديدة ساهمت في وضع القانون الدوري الذي ينصّ على وجود روابط عائلية وثيقة (مجموعات) بين العناصر الكيميائية المعروفة، فتظهر خصائص متشابهة في كلّ عائلة (مجموعة) على فترات منتظمة عندما تُرتب حسب أوزانها الذريّة. وكذلك مهّد الجدول الدوري إلى التنبؤ بالمزيد من العناصر الكيميائية التي استعصى على العلماء الوصول إليها بالطريقة التقليدية المباشرة، فيشير مندلييف معقبا أنه قبل اكتشاف القانون الدوري، كانت ال