جامع قرطبة، أقامه العرب في غضون 75 عاما من فتحهم الأندلس عام 711 م، أسَّسه بنو أمية على مراحل بين أواخر القرن الثامن وأوائل القرن العاشر الميلاديين، وظلَّ لقرون طويلة مركزا للعلم والمعرفة في العالم، وتخرّج منه ثلة من كبار علماء المسلمين. عدّه المؤرخون واحدا من عيون الكنوز المعمارية العالمية وروائعها، واقترنت بدايات تأسيسه باسم مؤسس الدولة الأموية في الأندلس عبد الرحمن الداخل، وعملت في توسعاته المتتالية 7 أجيال من المعماريين، خلال 245 عاما. فاخرت به قرطبة مدن العالم، فهو من آثارها الباقية منذ ما يزيد على 13 قرنا من الزمان، حيث حافظ على طابعه المعماري، رغم التوسعات والتجديدات التي لحقت به قبل وبعد تحوّله إلى كاتدرائية مسيحية سنة 1236 م.
ما زال يحمل اسمه القديم "المسجد الجامع" ("ميثكيتا" كما يسميه الإسبان)، رغم محاولات مسح اسمه وتاريخه وهويته الإسلامية. كان يسمى في البداية "جامع الحضرة" أي جامع الخليفة باعتباره الجامع الرسمي للدولة، وكان الخليفة يختار إمامه ويوقع على مرسوم تعيينه، وأطلق عليه مؤرخ الدولة الموحدية عبد الواحد المراكشي اسم "الجامع الأعظم". من إجلال وتعظيم قدره عند أهل الأندلس، سمّوه "الجامع المبارك" و"الجامع المكرَّم"، إذ لم ينفق فيه درهم إلا من خمس المغنم، حسب روايات المؤرخين، وقيل "لا يصلي فيه أحد ويدعو بشيء من أمر الدنيا والآخرة إلا استجيب له"، وعند رحيل أحدهم عن قرطبة كان يزوره متبركا به، كما سمي "مسجد النارنج"، لأن أشجار الليمون كانت تحيط به من جميع الجهات.
يقع مسجد قرطبة الكبير جنوبي غربي مدينة قرطبة (جنوبي إسبانيا) فوق بقعة صخرية على ضفة الوادي الكبير، أمامه على امتداد الواجهة الشرقية قصر الإمارة (القصر الأسقفي حاليا)، وخلفه تقع الناعورة العملاقة العتيقة بعشرات الأمتار فقط. كان يحيط به حي المدينة العليا آنذاك (قرطبة القديمة أو القصبة كما كانت تسمى) وسط شبكة من الدروب الأندلسية القديمة، وبابه الرئيسي كان أهم أبواب قصور الإمارة، ويعرف حديثا بـ"باب الغفران".





الجزيرة برامج