حرب الاستنزاف نوع من الحروب يسعى من خلاله أحد أطراف المواجهة إلى تقويض القوة العسكرية للخصم عبرَ استنزافِ مقدراته وتكبيده خسائر مادية كبيرة وتدميرِ معنويات الجنود بجرهم إلى دائرةٍ مفرغة من المواجهات المتقطعة. وتُعتبر حرب الاستنزاف مقياسا لرصدِ قدرةِ طرفي الصراع على تحملِ مواجهة غير محسومة تمتد فترة طويلة، من دون آفاق واضحة للنصر أو الهزيمةْ. وفي بعض الأحيان يكون هدفها المحافظة على قدرٍ من الحيوية وعدم الاستقرار على الجبهة بما يسمح برص الصفوف استعدادا لجولة جديدة من الحرب، أو لحرمان العدو من تحقيق نصر عسكري من خلال مدَّ أجل المواجهة.

تاريخ ظهر مفهوم حرب الاستنزاف لأول مرة خلال الحرب العالمية الأولى، حين شنت فرنسا وبريطانيا عملية واسعة ضدَّ التحصينات الألمانية على مستوى منطقة فردين وبلدة لاسوم الواقعة شمالي فرنسا. وكان مهندس تلك العملية الجنرال جوزيف جوفر القائد العام للجيوش الفرنسية الذي أسندَ قيادتها العملية إلى الجنرال فوش، وتقرر في البدء أنْ يضطلع الجيش الفرنسي بالجهد الأكبر في المعركة، وبعد مشاوراتٍ وتقديرات للموقف على الجبهة، استقر رأي العسكريين والساسة على توزيع الجهد الحربي بين الجيشين الفرنسي والألماني. واندلعت المواجهة الدامية بالأول من يوليو/تموز 1916 بعمليةٍ واسعة النطاق للجيش البريطاني ضد التحصينات الألمانية الممتدة على جبهة طولها 45 كيلومترا، واستمرت المعركة إلى مطلع نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، وقُتل فيها وفُقد أكثر من مليون ومائة ألف عسكري من الفريقين ما جعل منها المعركة الأكثر دموية في التاريخ.

ورغم الخسارة البشرية والمادية الهائلة، فإنَّ المكاسب المحققة بالنسبة للحلفاء كانت ضئيلة ولم تتجاوز إحكام السيطرة على 12 كيلومترا مربعا. لكن معركة السوم دخلت التاريخ كأول معركة في تاريخ حرب الاستنزاف، وألحقت ضررا كبيرا بمعنويات الجيش الألماني ورجحت كفة الحلفاء في السنتين التاليتين للحرب. الخبرة الغربية أصبحت حرب الاستنزاف تقليدا شائعا، خلال الحرب العالمية الثاني