منذ ترسيم الحدود بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية في القرن السابع عشر، وعلى امتداد ما يقرب من أربعة قرون، اتسمت العلاقات التركية الإيرانية بتقلبات متكررة بين الصراع العسكري المباشر والتنافس السياسي والتقارب المرحلي، وصولا إلى نمط مستقر نسبيا من إدارة الخلافات. وخضعت هذه العلاقات لتحولات عميقة جراء التغيرات البنيوية في النظامين السياسيين لكلا البلدين، بدءا من انهيار الإمبراطوريات وبناء الدولة القومية، ومرورا بالحرب الباردة، ثم اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، وما أعقبها من تباين أيديولوجي مع النظام التركي العلماني، وصولا إلى مرحلة ما بعد الربيع العربي عام 2011 التي أعادت تشكيل أولويات الأمن والنفوذ في الإقليم. واكتسبت العلاقات التركية الإيرانية فيما بعد بُعدا إضافيا بسبب تصاعد الأزمات الإقليمية، ولا سيما في سوريا والعراق وجنوب القوقاز، إضافة إلى تداعيات الملف النووي الإيراني والتوترات المتكررة بين إيران والولايات المتحدة، خصوصا التهديدات الأمريكية مطلع 2026 باستهداف إيران عسكريا.
وغالبا ما اعتمد الطرفان خطابا رافضا للتدخل الخارجي وداعيا إلى الحلول الدبلوماسية، في إطار سياسة متبادلة تهدف إلى احتواء الخلافات والحفاظ على قنوات التواصل السياسي. شكل اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 نقطة تحوّل جذرية في العلاقات الثنائية، مع سقوط نظام الشاه وصعود نظام إسلامي شيعي، في مقابل النظام العلماني التركي. واعترفت تركيا مبكرا بالنظام الإيراني الجديد، وتبنّت سياسة احتواء وحسن جوار، واعتبرت التحول شأنا داخليا، في محاولة للحفاظ على استقرار العلاقة وتجنب الصدام.
وبرزت في تلك الفترة مخاوف أمنية وسياسية متبادلة؛ إذ خشيت أنقرة من تصدير الثورة وتقويض نموذجها العلماني، بينما اتهمت طهران أنقرة بإيواء معارضين إيرانيين. وسعت إيران للخروج من منظومة التحالفات الغربية التي جمعتها سابقا بتركيا، وتبنت سياسة إقليمية مناهضة للنفوذ الأمريكي، مما أدخل العلاقات في مرحلة تباين أيديولوجي دون قطيعة كاملة. شه





الجزيرة بلقان
الجزيرة إنجليزي