الدواعي والمبرراتلا يعد عجز الميزانية على الدوام مؤشرا على سوء إدارة المالية العمومية، وإنما العبرة بأوجه الإنفاق العمومي ومبرراته التي استدعت وجود العجز أصلا. فالحكومات أحيانا تكون مطالبة بنهج سياسة إنفاقية توسعية تقتضي بالضرورة ميزانية تعرف عجزا طارئا، تبرره الظرفية الاقتصادية السائدة أو المطالب الاجتماعية الملحة وضرورة حفظ السلم الأهلي والاستقرار السياسي. وقد تلجأ الحكومات إلى التوسع في الإنفاق من أجل إنعاش الاقتصاد في لحظات الأزمات وتعرضه للصدمات الخارجية (تراجع الصادرات أو أعداد السياح الوافدين) أو بهدف تحفيز النشاط الإنتاجي من خلال رفع الطلب الكلي (الاستهلاك والاستثمار) كي يبلغ النمو مداه وتنخفض أعداد المواطنين الذين يعانون من البطالة ويئنون تحت وطأة الفقر.

وفي حال لم تجد الحكومة تحت يدها ادخارا عموميا قادرا على تمويل الإنفاق المطلوب، وإذا تعذر رفع الضرائب (الضريبة على الدخل أو الضريبة على الشركات مثلا) فإنها لا تجد بدا من اللجوء إلى العجز وتمويله عن طريق الدين في سبيل رفع إنفاقها. فالإنفاق المنتج للثروة أو المحفز على إنتاجها يحقق الأهداف التي تقدم ذكرها، دون تبذير موارد البلد في إنفاق عقيم واستهلاك خارج على الغرض، فيتحول عندئذ العجز من عجز ظرفي إلى هيكلي، وتدخل البلاد في دوامة القروض إلى حد تعريضها لخطر العجز عن السداد والتبعات السلبية المترتبة عنه. ويظل الاستثمار أعظم السبل وأيسر الطرق من أجل خلق الثروة، سواء كان استثمارا ينعكس على زيادة الإنتاج بشكل مباشر كتشييد منشأة صناعية جديدة أو تزويد منشأة قديمة بخط إنتاج إضافي، أو بشكل غير مباشر مثل توفير البنى التحتية الجاذبة للاستثمار أو تأهيل العمالة المحلية وتجويد التعليم أو تمويل البحث العلمي.

أما الإنفاق على الاستهلاك فلا يسري عليه ما يسري على الاستثمار، إلا ما كان منه موجها إلى تحفيز الاستثمار الخاص والإنتاج المحلي، فذلك طريق غير مباشر إلى زيادة الثروة القومية. وغير ذلك لا يعدو أن يكون دعما للاقتصادات الأجنبية وسببا