"الصهيونية ليست حركة يمكن التفاوض معها"، يقولها الرجل الأبيض، الأشقر الشعر، بصيغة توحي بأنها مقولة جاءت نتيجة لتجربة معملية جرت في أحد المختبرات، وهو ما حدث فعلًا، إن أمكن اعتبار صراعه مع الحركة الصهيونية وأذرعها في بلده، إنجلترا، تجربة معملية. عندما تسمعه يقولها، ينتابك أولًا إحساس يمزج بين اللذة والألم حينما يتولى الرجل الأبيض الغربي ما يجب أن يكون على رأس أولوياتنا ويتحدث بلساننا، نحن العرب. إحساس "لذيذ" لأنه يمنحنا الاعتراف الدولي الذي نبحث عنه ويمنحنا شعورا بأننا لم نندثر ونُنس بعد، ومؤلم لأنه يذكرنا بأننا ما زلنا بحاجة إلى هذا الاعتراف.
لكن الفارق عند ميلر أنه يلحق عبارته بأخرى تحوله من مجرد غربي أبيض أشقر نبحث عن اعترافه بنا إلى شخص يقف بجانبنا في المعركة. تبدأ قصة ميلر عندما قررت جامعة برِستول تعيينه ضمن طاقمها أستاذًا لعلم الاجتماع السياسي. أساتذة الجامعة في إنجلترا، وفي عدد من الدول الغربية، يتمتعون باستقلالية تصل إلى درجة الحصانة أحيانًا في تحديد مناهجهم واختباراتهم ومواضيع محاضراتهم، وميلر، بحكم دراسته وتاريخه الأكاديمي، كان متخصصًا في حملات الاحتلال الاستيطاني التاريخية وآلياتها الاجتماعية، أو ما يعرف في الغرب باسم Settler-Colonialism""؛ بدءًا من احتلال الإنجليز لأيرلندا الشمالية، ومرورا باحتلال الهولنديين والإنجليز لجنوب أفريقيا، والفرنسيين للجزائر، ووصولا لليهود الأوروبيين واحتلالهم لفلسطين.
المعلومة المهمة الأولى هنا هي حقيقة أن لفظة "Settler" الإنجليزية ومشتقاتها لا تمنح ذات الانطباع الإجرامي للفظة "استيطان" العربية رغم الاتفاق الجمعي بترادفهما؛ فالأولى تُستخدم عادة في الكثير من المواقف الإيجابية، مثل قرار بالزواج والإنجاب وتكوين عائلة، أو القبول بترضية أو تسوية في نزاع قضائي ما، أو الاستقرار وإنشاء مجتمع جديد. كل ما سبق يوصف بذات اللفظة التي ترادف الاستيطان الذي بُني بالأساس على التطهير العرقي والإبادة الجماعية، ولعل هذا مقصود في ذاته؛ لفظة "Settle"، مثل




الجزيرة مباشر