طرح "جوزِف ناي"، المفكر الأميركي الشهير المتخصص في العلاقات الدولية، الذي صكَّ مصطلح "القوة الناعمة" في وصف الحضور الأميركي عالميا، أفكارا حول كيفية تنظيم الفضاء السيبراني الذي يبدو فوضويا منذ نشأته قبل بضعة عقود. وناقش ناي في مقاله المنشور بمجلة "فورين أفيرز" المخاوف المتعلقة بمدى قابلية تطبيق أي قوانين عالمية في مجال الفضاء السيبراني، قائلا إنها غير منطقية، وإن الفضاء السيبراني، مثل غيره من المجالات، سرعان ما سيخلق قواعده الخاصة في قادم الأيام. إذا ما نظرنا إلى عناوين الأخبار المتصدِّرة حاليا، من هجمات برامج الفدية السيبرانية (Ransomware)، والتدخُّل السيبراني في الانتخابات، والتجسُّس الصناعي (بين الشركات الكبرى)، والتهديد بقطع شبكات الكهرباء؛ فسيبدو لنا أن الأمل ضئيل في إدخال قدر من النظام إلى الفضاء السيبراني الفوضوي، إذ ترسم لنا التقارير الإخبارية المتلاحقة صورة لعالم سيبراني غير خاضع لأي سلطان وتزداد خطورته يوما بعد يوم، مع مآلات مروِّعة لا تقتصر على الفضاء السيبراني وحده، بل وتشمل الاقتصاد والجغرافيا السياسية والمجتمعات الديمقراطية ومسائل جوهرية كالحرب والسلام.

بالنظر إلى هذا الواقع القاتم، فإن أي تلميح إلى إمكانية صياغة قواعد لتنظيم الإنترنت غالبا ما يُقابَل بالشك، فهناك اعتقاد سائد بأن الخصائص الأساسية للإنترنت تجعل من المستحيل فرض أي قواعد أو حتى معرفة ما إن كانت القواعد قد انتُهِكَت ابتداء. كما أن الدول التي تعلن دعمها لقواعد الفضاء السيبراني تشن بالتوازي هجمات سيبرانية واسعة النطاق ضد خصومها. ففي ديسمبر/كانون الأول 2015، صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة للمرة الأولى على مجموعة قواعد دولية للإنترنت، وهي قواعد طوعية وغير مُلزِمة، وقد ساهمت روسيا في صياغة هذه القواعد، ثمَّ نفَّذت في الشهر ذاته هجوما سيبرانيا على شبكة الكهرباء الأوكرانية، ما تسبَّب في انقطاع الكهرباء عن نحو 225 ألف شخص لعدة ساعات. في نظر المُشكِّكين، تُعَدُّ تلك الواقعة دليلا آخر على أن إرساء قوا